
[مقاربة نقدية [
بدايات القول وشهوة النهايات
نجيب طلال
"خيل لي أنني رأيت دجلة نمرا جريحا غرسوا السكين
في قلبه، فراح يقطر دما غريبا، دم بلون الحبر...."
شهوة النهايات
رؤية القول:
عبر العالم ـ الافتراضي ـ تعرفت على
المبدع
ـ صباح الأنباري ـ تلك الشخصية الهادئة في مظهر
ها؛ والفاعلة بصدق تصوراتها
وتموقفاتها؛ تجاه أي إبداع التقطته
[الشبكة العنكبوتية] يمارس شغب التواصل الحق؛
لكل ما اطلع عليه بتمعن وروية؛ وارتاح لقراءته بمعناه الاستفزازي ومن ثمة
يعلق أو يرد عليه؛ دونما مزايدة أو
تجميل في الكتابة؛ وأبعد من هذا يمارس عنف
القراءة بقراءة موازية؛ تشعر من خلالها بشاعرية مفرطة؛ وحساسية فنان ذواق
لمعنى الحرف وربط الكلمات؛ والأمر طبيعي بالنسبة إليه؛ بحكم عشقه للصورة التي
كانت هي مصدر إلهامه الفني؛ قبل أن تكون مصدر عيشه في زمن أرضه وتربته ـ
الأصل ـ ورغم رهافة حسه وتذوقه لسحر الكلم وأيقوناته؛ فطبيعة دواخله فوارة
بعنف الأزمنة وقساوتها، والأمر
بدهي للعديد من الإخوة
- العراقيين - الذين
نفتهم الأقدار إلى المنافي والغربة [
التي/ نصيب منها صنعها
(طمع الكراسي)[
يصبح
شط بابل والفرات مزركشا
(جثثاً)
ومزينا ببرك
(دماء)
وبالتالي من بداخله)
أو) خارجه يعيش شبح الدم،
والقتل،
والاعتقال،
والتشريد؛ بحيث أغلب[المغتربين[
يفجرون:
مواقفهم/غضبهم/انهيارهم/عجزهم/عبر
فنون القول بما فيهم
الفنان ـ صباح الأنباري
ـ
وإن كان في الأصل مخرجا مسرحيا؛ لقد سلك شهوة
الكتابة المسرحية بنفس ورؤية مختلفة؛ يعيد صياغة الواقع المأساوي والدامي
الذي أصاب ويصيب أبناء جلدته وتربته على أيدي الطغاة وعملائهم الذين ليسوا
محررين أو دعاة السلام، لأرض هي أصلا محررة من براثن الذل والمهانة، إذ
السؤال الذي لم يطرحه أحد لحد الآن سواء من لدن الإخوة العراقيين
أو
العرب
*
ماذا استفادت [العراق] تحديدا من إزاحة ما كان يسمى في نظرـ
المعارضين–ديكتاتور
البلد ؟؟
بكل بساطة؛ قذف أكثر من 180مليون قنبلة؛ بما فيها العنقودية/ الغازية/ قذائف/النابالم/اليورانيوم/ فوق رؤوس البلاد والعباد؛ وتلويث الفضاء بمواد كيماوية خطيرة؛ فرضت خللا في التوازن الطبيعي وسلامة الحياة بكل مكوناتها الهوائية/المائية/الحيوانية/ البشرية/ ورغم هذه الحقائق المضاف إليها قتل الأبرياء والمدنيين؛ بطرق سادية وأكثر وحشية/ ما زالت هنالك أفكار مريضة وسخيفة تؤيد ما وقع وما يقع؛ وبالتالي فمهما كانت الردود سواء سياسيوية/ذاتوية/عشائرية/شعوبية/ ديماغوجية/ فواقع الحال يكشف واقعه بدون رتوش أو تزويق أو الاستماع للبلاغات ]الكاذبة[ من المنطقة [الخضراء] التي هي أصلا منطقة [ قاتمة] بحيث شاهد القول مكشوف بالوثائق والصور، وموثق في العديد من النصوص المسرحية (الحالية) والتي كتبت من لدن ـ عراقيين ـ ليس المجال الآن للإشارة إليها ولكتابها؛ فالمتتبع والمهتم؛ يمكن أن يصل إليها عبر المواقع؛ فهي منشورة ومنتشرة بكثافة؛ بحيث أغلبها تتقاطع في استعراض دموية الحياة ومأساتها ومعاناة الإنسان العراقي وقهره السيزيفي بسبب ويلات العدوان والدمار التي تقض مضجعه يوميا وبشكل تراجيدي، ومريب للغاية؛ إضافة لما يتعرض له من خوف ورهبة وقمع وتعسف واضطهاد وتعذيب في كل الأمكنة من طرف الطغمة؛ الباغية المتجبرة في الأرض؛ وهذه الوضعية الغرائبية والمثيرة تتجسد في أعمال المبدع ـ صباح الأنباري – لكن الذي يلفت الانتباه في أعماله الدرامية؛ أنها لصيقة بأحداث الواقع الدموي والعنفي الذي يتعرض له أبناء جلدته؛ كأنه منوجد في معمعان العمليات؛ وجزء لا يتجزأ من الوقائع التي تحدث لهذا أو ذاك؛ وهذه العلاقة لا تفسر إلا من زاوية التألق الوجداني الطافح بعشق التربة وأهلها؛ وخاصة فضاء ولادته وعيشه وذكرياته (بعقوبة) التي تعتبر مدينة (البرتقال) التابعة لمحافظة (ديالي) وبالتالي فالفعل الوجداني المضمر بين ثنايا نصوص – الأنباري – يتداخل فيها الجزء(بعقوبة) بالكل(العراق) بمعنى ما يمس الجزء يمس الكل؛ والرؤية ليست عشائرية أو طائفية بل تنم عن مفهوم القومية والوحدوية؛ من هنا يتداخل العقل بالشعور وكلاهما باللاشعور؛ مما تتمظهر لغة/علامة – الصمت – في أعماله الدرامية؛
قول القول
******
بشكل جلي تبرز رؤية القول من خلال [شهوة النهايات] بحيث يقدم الإهداء بصيغة الجزء للكل( إلى صلاح العراقي وكل عراقي رأى بعض ما رآه صلاح) وهذا أسلوب؛ يدفع بالمتلقي إلى ممارسة الجدل الفكري بين نوعية الأحداث/الشخوص؛ المتمظهرة والمتمركزة هنا أوهناك؛ وذلك لبناء حقيقة يمكن أن تتعايش مع حقائق أخرى، بحيث الأحداث ليست مفصولة عن السياق الذي تتخبط فيه(العراق) وإنما هي حالات ومظاهر أنتجها الاحتلال إذ السياق يساهم إلى حد بعيد في إعادة ترتيب الرؤية الأحادية لما هو جمعي؛ بحكم مقتضيات التواصل الإنساني وإكراهاته، ليتحول[الجزء] إلى صيغة ]كلية[ إلا من خلال استحضار ما يوحد ويجمع، في الزمان وفي المكان؛ لتحقيق التفاعل. بحيث (صلاح) خاص من العام ؛ أو هو بمثابة أنموذج [الكل] (غادرتُ مدينتي الصغيرة وحططت الرحال في المكتبة الوطنية وجلست بين رفوف) فسياق الحوار يرتبط من/إلى/ و(المكتبة) رمز(كلي) انطلاقا من موقعها (العاصمة) وبؤرة للحضارة وتاريخ أمة؛ وبالتالي فنص [شهوة النهايات] تعامل بهذا (المنظور) لإبراز عوالم الإرث النفسي والاجتماعي المشترك وخلخلة المناطق الانفعالية للذات الإنسانية؛ وبالتالي يمكن أن يندرج (النص) في سياق [أدب السجون] وإن كان هذا النوع دائما يتأطر في الرواية/الشعر؛ ولما لا في(المسرح) باعتباره يتخذ منحى ما وراء الأسوار من قضايا وأحداث هي مريبة ومفجعة؛ يتداخل فيها الزمان والمكان في آن؛ والمنحى الذي اتخذه – الأنباري- نوعية مغايرة في الكتابة الدرامية ،إذ ليس بالضرورة تناول موضوع [السجن] وما يحيط به من إشكاليات وصراعات وآهات ومعاناة؛ إلا من خلال(المعايشة) كما يعتبره أصحاب الواقعية وما تناسل عنها؛ بل هو يفرض نفسه؛ بحكم وضعية القهر وأنواعه التي يتعرض إليها الإنسان؛ ووضعية ـ العراق ـ لا يمكن فهم وتمحيص الفوضى العارمة التي تعيشها؛ إلا باقتحام ما يحدث جوانية [الأسوار] وأسراره المريبة؛ وفي تقديري فالمبدع – صباح الأنباري – قد كان ذكيا؛ ومدركا للعبة الفنية حينما اعتبر النص من خارجه ]مقدمات[ ومن داخله [برولوجا] على لسان(صلاح): لأدلي بشهادتي أمامكم؛أو لأنقل لكم ما حدث بالضبط ليلة أدخلوني سجن(أبو غريب) زاعما أن شهادتي ستكون برولوجا معاصرا، أو مقدمة لمسرحيته التسجيلية (شهوايات) وتعنى، كما قال لي(شهوة النهايات) وهنا يكمن قول القول؛ والحامل لمنظور مزدوج :
1شهوة القتل والتخريب = الذي مارسته وحشية الطغمة الإمبريالية وحلفائها وعملائها) الخونة) الذين كانوا يدعون/الوطنية والقومية؛ وتناسوا بأنهم يتواطأون مع أكبر[الدول المارقة] كما يسميها- تشومسكي- في كتابه؛ ونفس العنوان [الدول المارقة] يوظفه- وليم بلوم- في كتابه(*) وها [هم] ينظرون ما خلفته(الشهوة) من وضع مأساوي /كارثي/ تخريبي/الذي يؤثث ربوع وحياة وفضاء وأركان العراق؛ وتلك نتيجة حتمية حينما تلتقي(شهوة) الانتقام والحقد الدفين ضد التربة والإنسان؛ مما تنطلق الغرائز والرغبات من كل القيم الإنسانية /الأخلاقية /العقائدية/ ليتفجر المخزون المحموم بالأمراض والعقد (النفسية) بلا كوابح؛ يكتوي بلهيبها الكل؛ لكي يتحول الآدمي إلى قطيع من البهائم؛ و(المؤسف) لقد(تحول) بواسطة الشر والدمار والقتل المعلن والمداهمات الوحشية في كل مكان والتخريب الذي منيت به (العراق) وأهلوها باسم الديمقراطية والحرية والإنعتاق، ليست سوى اسم آخر للشهوة (البهيمية / الهمجية) يتقاسمها (المحتل/ الخونة) والتي وصلت إلى نهاياتها، بعد استباحة الدماء التي وصلت حد الاغتصاب الجنسي بأشكال بشعة وتسفيه الأعراض؛ وتشويه بكارة النساء والرجال؛على حد سواء؛ لم يسبق لها مثيل في تاريخ القتل والحروب؛ وتلك رغبة تولد عنها فعل إرادي منبثق عن الشهوة، التي كشفتها دهاليز سجن [أبو غريب] عن صور الاغتصاب والتعذيب والتنكيل بأبشع أشكاله؛ تتجاوز[السادية] إذ ليس غريبا أن يظهر فيلم ]أولاد الشيطان] أبطاله أطفال(**) وبالتالي ما وقع فتح زوايا متعددة أمام صفحات التاريخ التي تركز على: 2 بدايات القول/شهوة الكتابة: وفي تقديري هذا ما يهدف إليه المبدع ـ صباح الأنباري؛ بحكم أن الكلمة فاضحة وتختلس اختلاسا من قـهر الزمن وعوائده، لتبقى شاهـدة على جبروت [الدول المارقة] واستبدادهـم معية أعوانهم المنبطحين؛ وبالتالي فانطلاق شهوة الكتابة/التاريخ؛ بأسلوب(درامي) واختيار [سجن أبو غريب] يعد وعيا شقيا حاملا لهموم- الوطن- وانتكاسته المؤلمة؛ فالنص بصيغته الحكائية وتوظيف لعبة التمثيل داخل التمثيل؛ سلل التسلل إلى وجدان المتلقي وفي غفلة من العقل وآليات الرقابة؛ بحكم أنه يصيغ بنائية تفاصيل الحياة الإكراهية/ التدميرية، بين الأسوار؛ والأبعاد التي أدت بـ(صلاح) أن يكون ضحية الاعتقال؛ جوانية الزمان وفق غايته الصريحة وكذا الضمنية التي أدارها (المحتل).
المتخيل والواقع
**********
من خلال المشهد الأول يتداخل المتخيل بالواقع؛ وذلك لخلق قدرة على تصور المشاهد والأشياء والشخوص.وبالتالي فالمخيال بتقاطعه بالواقع يستطيع بقدرته التركيبية الخاصة تحقيق توليف بين الشعور وضده لإنتاج صور تتداخل فيها الأحاسيس والأشياء والألوان؛ وذلك انطلاقا من الإضاءة الزرقاء الباهتة التي تسمح ببقاء الظلام منتشرا في أرجاء المسرح الذي احتل نصفه الأيمن مقهى شعبي بينما احتل نصفه الأيسر متجرا لبيع المواد الغذائية؛عدد من الرجال يقفون مصطفين في طابور طويل لاستلام موادهم التموينية من(صلاح العراقي) رجل في الأربعين من العمر غزا الشيب رأسه باكرا؛فمن أكد لنا هذه الصورة؛ تندرج في سياق المتخيل أم الواقع؟ بداهة فالصورة رمزية كانعكاس موحي أو ملتبس لكل- عراقي- بسيط؛ يعيش حياة شعبية/ بسيطة، وبالتالي فهي تعبر عن الخارج (الواقع) إلى الداخل(المتخيل) وذلك لتوليد سلسلة من الرموز الشبيهة بـ(صلاح) من أجـل بناء المعنى؛ من خلال الملاحظة المباشرة للأفعال التي قام بها [الطغاة] في حق الآلاف من(العراقيين) رغم أننا نجد في أرشيف المتعقلين اسم(كفاح صالح/44 سنة) بحيث نفس المشهد يبرز تلك الصور ورمزيتها القاتمة:مداهمة جنود المارينز بقفزة واحدة، خشبة المسرح؛ تتوقف الحركة فترة قصيرة على الخشبة، توقفا متزامنا مع آخر ضربة قوية من قطع الدومينو(..) يدخل من منطقة أسفل اليمين رجل يضع على وجهه لثاما أسودا؛ يشير بيده، نحو المتجر فينقض رجال المارينز على صاحب المتجر يقيدون يديه بينما ينقض بعضهم الآخر على رواد المقهى ويقيدون أيديهم؛ وكذلك يفعلون مع الرجال في الطابور؛ يفتشون المتجر؛ يحمل أحدهم كيسا كبيرا من الخيش.؛ يفتحه..يرى ما بداخله يبتسم ظافرا ويفرغ محتوياته في وسط المسرح فتتدحرج منه رمانات يدوية ومسدسات واعتده خفـيفة. فهذه الصور لم يعشها- الكاتب- عن قرب؛ وفي( المشهد2) يكون النص صريحا على لسان المخرج: (لقد نسيت أنك قصصت للكاتب تفاصيل ليلتك المشؤومة فكتبها بالطريقة التي رآها مناسبة) وبالتالي فهي نتاج واقع معاش؛ تحرك المخيال عـن أشده لإبراز ذاك الإحساس المشترك والروح الرابطة بين المغتربين الذين يتألمون(نفسيا وروحيا) لما يحدث للمقيمين الذين يتعذبون (جسديا) باعتبار أن المتخيل معطى نفسي قبل كل شيء؛ وبالتالي ما حدث لصلاح حسب المنظور النصي؛ له تقاطعات متعددة بصور واقعية؛ رغم اختلاف الأمكنة والشخوص؛ كحالة (نادية)/ مثلا/ فتصريحاتها بعيد خروجها من الإعتقال؛ شبيهة فيما ورد (كنت أزور إحدى قريباتي ففوجئنا بقوات الاحتلال الأمريكية تداهم المنزل وتفتشه لتجد كمية من الأسلحة الخفيفة فتقوم على إثرها باعتقال كل من في المنزل بمن فيهم أنا فالعلاقة بين المتخيل والواقع (الحكي)= حضرت هذه الليلة بناء على طلب مخرج المسرحية الأستاذ(يذكر اسم مخرج المسرحية) أن لا تظنوا أنني تاجر أسلحة بغيض يعرف كيف يستغل ظرف الانفلات الشامل فيكسب من تجارته التي لم يصرف عليها، من جيبه، فلسا واحدا..وأجهل، في الوقت نفسه، من أين أتت كل تلك الأعتدة وكيف وضعت مع المواد التموينية داخل متجري متجري؛ ولا أعرف من هو ذلك الملثم الذي وشي بي وقاد المارينز إلى متجري. بداهة الحكي يرتبط أساسا بما هو أسطوري/ تاريخي/ خرافي/ تراثي/ لكن هاهنا حكي من الواقع وثناياه ؛ مما يفرض لغة الترميز والتصريح وتارة التداخل بينهما وذلك نتيجة العنف المضاعف الذي يحدثه الواقع تجاه المتخيل؛ وهذا يتجلى بوضوح في خطاب الاعتراض/ بين (صلاح/ الممثل) و( المخرج/ المفترض): يا أستاذ لا يجوز لك أن تحولني إلى حكواتي أو قصخون، علي أن أوصل الفكرة للناس حسب...أنا رجل من هذا الزمان ولا يليق بي أن ألبس ملابس الحكواتي، ولا أن أتلاعب بمشاعر جمهور النظارة. نستشف ها هنا عنف المتخيل؛ الذي يفرض استيهاماته الرمزية/ النفسية؛ مما أحدث نوعا من التهجين بين الأسطورة/ الخرافة/ التاريخ/ من خلال استحضار(الجنية) كرمز في(المشهد8/6/4/2) بنوع من التكثيف؛مما تعددت دلالاتها في السياق النصي وذلك لممارسة عملية الهدم/البناء؛ بين واقع كيف كان(و) كيف أصبح؛ نتيجة (الشهوة):سرنا غير مبالين بالرصاص؛ تجولنا في أماكن مختلفة من بغداد؛ رأينا حرائق الكرخ والرصافة وتوقفنا أمام مبنى الفنون..فمثل هذه المشاهد تتكرر على لسان (صلاح) حسب المواقع الأثرية والأمكنة الترفيهية والمنشآت العامرة؛ التي عمها الخراب القاتل والدمار الوحشي؛ فالانتقال (المعنوي) من السجن وإكراهاته ومأساته إلى خارجه؛ نموذج للمسرحة الذكية والناتجة عن متخيل أكثر جنوحا للمطلق؛ نحو الواقع وانعكاسه عليه ؛ والتي تفرض( إخراجا/ دراماتورجيا) أكثر ذكاء؛ وذلك لخلق التفاعل وتفجير:
الرمز والذات
*********
كثافة(الرمز)
في [ شهوة النهايات] له مبرراته وطبيعة تمظهره؛ وذلك ارتباطا
بالمتخيل وعنف الواقع؛ ولاسيما أنه يكون فاتحا ومساعدا لقراءات/سياسية
فكرية/
إبداعية/ بمنظور مغاير لكل الدلالات المدركة وراثيا، والتي تقع ضمن
دائرة الثقافة التراثية، وبالتالي فـ(الرمز) يمنح النص أبعادا نفسانية وروحانية
موغلة في مكونات الذات؛ مما ينتج معه خلخلة لنمطية الإيحاءات الخطابية، مادام
هو في بنيته لغة ورسالة وفعل من أفعال الإنسان، وبالتالي فاستحضار(الجنية)
كرمز موروث ومتوغل في المخيال الشعبي؛ وعلاقتها المفاجئة بـ(صلاح)
في عوالمه
المكهربة؛ تعدد(الرمز) للمستويات ومختلف الدلالات والحقول:
•هل
هي الحضارة
؟=( اذهب الى المكتبة الوطنية وافعل ما ينبغي لك قبل فوات الأوان)-
(المشهد2)
•هل
هي الوطن؟=( كان جسدها مضمخا بالنفط وعابقا بشذى جذور النخيل
ومن ثناياه شممت غرين دجلة وطين الفرات)- (المشهد2)
•هل
هي التدوين؟=(
أتريد أن تكون خفيا في عصر بات كل شئ فيه يرى بوضوح؛ ما حاجتك إلى الاختفاء(..)
أريد أن أرى الحقائق بعيني كي أعقلها، بعد أن رأيتها بعقلي فأدركتها)-
(المشهد2)
•هل
هي المقاومة ؟=( آن لك أن تنهض أيها العراقي وتفعل ما هو
بانتظارك)- (المشهد4)
•هل
هي الحيرة؟=(..ازددت حيرة وأردت أن أسالها من
تكون، ولماذا تجلس إلى جانبي، وعما إذا كانت مأمورة من قبلهم، فرسمت بسبابتها
علامة السكوت)- ( المشهد4)
*هل
هي الصبر؟= (تذكرت أن المرأة/الملاك قالت لي
وهي تطوف علي في الرؤيا..احفظ دموعي فأنها طريق نجاتك أيها العراقي)-
(المشهد6)
•هل
هي الحرية؟=.اندلق نور أبيض من ذلك الثقب..سحبت أصبعي
منبهرا(..)خلت أنني أقـف برهبة أمام نصب الحرية(المشهد6)
•هل
هي روح جواد
سليم؟=( يطاردونك لأنك تحتفظين بروح جواد سليم..لماذا يطاردونني أنا
إذن؟(المشهد8)
وبنوع من التمعن هي الكل في الكل؛ لكن التماهي الذي يعيشه
المبدع- الأنباري- بالصورة والتشكيل؛ طفحت [الذات] بشكل مباشر؛حينما تم
توظيف(الجنية) كقرين لروح (جواد سليم)=(فنان تشكيلي) وقد غلفته ولبسته بشكل
غريب روح جواد سليم (تساءلت في سري؛ ماذا يعني هذا..ها؟ أأنا في حضرة روح الجنية
أم في حضرة روح جواد سليم!) فـ[الرمز] ها هنا غامض وملتبس؛ ولن يحقق قدرة
التفسير على نحو عقلاني وموضوعي النزعة؛ وذلك نتيجة تداخل الذات بالرمز والرمز
بالمتخيل؛ مما تمظهرت الرموز كتخيلات وتعبيرات اللاواعية وصور؛
رغم أنه ذكر أسماء ذات وزن في الفن التشكيلي(تحديدا) لكن سقط في[التعمية]
و(
الانتقائية)
رغم أن البعض منها عاش التنكيل والتعذيب في سجن[أبو غريب]
كـ(علي
القيسي) الذي أشار إليه سريعا بالقول النصي:(لأنني ساهمت في تأسيس جمعية لحقوق
الإنسان، ومرة لأنني شجبت الإرهاب، وأخرى لأنني ساهمت في إصدار صحيفة محلية
جريئة مع أنني لم أقم بأي من هذه الأعمال)(المشهد6) وبالتالي فحمولة
النص (للرمز)
وتغلغل[الذات] في أنساقه؛ ساهم في غموض قدرة الرمز في امتلاكه كينونة
التفاعل بين عناصر اللغة والواقع بمعنى: أن الواقع يعيش إيقاع الخراب
والتقتيل والتدمير والحسابات السياسية؛ أكيد أنها برزت في[المعتقل] لكن تبئير الوضع
كله في [جواد سليم] كرمز للفن والإبداع؛ واحد المساهمين في تمثال]الحرية[
لا يعني أن يقارن بها ؛ بحيث أن الواقع [العراقي] لا
يبحث عن[الحرية] بل عـن
الخلاص من[ المحتل/عملاؤه] وإن كان القصد من[الحرية] التي تكررت في النص (6
مرات) بصيغ مختلفة؛خروج(صلاح/العراقيين)من سجن[ أبو
غريب] ولقد تم التعبير
عنها بوضوح في(المشهد5):(يظهر فيها المقاتل العراقي وهو يحطم قضبان السجن
لينطلق نحو الحرية؛ تثبت صورة المقاتل على الشاشة ويظلم المسرح ) فالطرح
مقبول؛من عدة زوايا، لكن باستحضار روح [جواد سليم] فالوضعية كسرت ثـنائية
[الاعتقال/الحرية]
وفي نفس الآن كسرت ثنائية[ الإبداع/السياسة] بحيث تم تغليب
[
الذات = الفنية/الإبداعية] على
[ الذات= الفنية/السياسية] بحيث خصص
(المشهد5)
كله للفن التشكيلي والنحتي( كاليري) وما أصابه من دمار على
أيدي(الغزاة)
ورصاصهم الفتاك؛ معتبرا ذلك من ضمن (شهوة النهايات): (يخرج صلاح من
مخبئه. يتأمل حجم المصاب الذي ألحق باللوحات؛ وينظر)
إذ من خلال الواقع الكارثي؛
وجدليته بالواقع السجني المأساوي، وإدخال [جواد سليم] بينهما كـ
[رؤية] كان من باب
الأولى توظيف [السجين السياسي المجهول] بدل [الحرية] وذلك لتحقيق تقابل
الثنائيات؛ باعتبار أن كل عراقي(شريف/هـو) سجين سياسي مجهول كما عبر عنه [جواد
سليم ] في إبداعيته النحتية.علما أن( النص) يعطينا المنظوم الإبداعي أنه(تسجيلي)
والمسرح التسجيلي؛ أساسا مسرح سياسي بامتياز؛ بغض النظر أن كل إبداع يحمل
بعدا إيديولوجيا/ سياسيا؛ لكن في [شهوة النهايات] يحضر البعد الإيديولوجي في سياق
اعتقال(صلاح) لكن المنظور السياسي؛ فيه
نوع من الغموض؛ إذ لا يكفي الإشارة التي وردت في (المشهد2):(يشير إلى الشاشة،
فتظهر عليها صورة قاعة الأمم المتحدة من الداخل وتحتها ترجمة تقـول: يتواجد
الأمريكان في العراق بصفتهم محتلين لا محررين) وفي هذا الإطار نستشف؛ تداخل
الذاتي بالرمزي؛ والرمزي بالمتخيل والمتخيل بالواقع؛ نظرا لغموضية وإلتباسية
(
الواقع/العراقي) فمن هذا المنطلق؛ اعتبر النص(شهوة النهايات) مقدمة أساس
لبداية شهوة الكتابة؛ وسعيا منا أن يتحقق ذلك؛ ارتباطا لما قاله(صلاح/لسان
الكاتب) في(المشهد الأخير/8) (بهيأته الطبيعية متوجها إلى جمهور النظارة) إلى هنا
انتهت؛ مقدمتي لمسرحية شهوايات، ولكم أن تحضروا فيما بعد لتشاهدوا؛ فصولها
اللاحقة.
استبيان
· مصطلح[ الدول المارقة] وظفه – رونالد ريغان في أواسط الثمانينيات؛ تجاه الدول الخارجة عن الطاعة
· كتاب – الدول المارقة: حكم القوة في الشؤون الدولية – لنعوم تشومسكي سنة2003 ترجمة وتحقيق محمود علي عيسى
· كتاب – الدول المارقة:دليل إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم- لوليم بلوم سنة2003وله كتاب- قتل الأمل سنة 2006 وهذا كان موظفا في وزارة الخارجية الأميركية؛ لكنه استقال عام1967من منصبه احتجاجاً على التدخل الأميركي في الفيتنام ؛ فتوجه إلى العمل كصحافي حر.
· أولاد الشيطان/ [The Children من إخراج [توم شانكلاند] سنة2010 أول فيلم رعب يقوم ببطولته مجموعة من الأطفال؛ يمارسون القتل في حق كل أفراد العائلة؛ فردا فردا بطرق وحشية ومريبة؛ بعدما تحولوا لوحوش كاسرة؛ تحركهم شهوة الدم.