
وقد شاع هذا النوع في مسرحنا العربي ووجد له متنفسا كبيرا بين صفوف جمهور واسع يعاني من القهر والاستبداد والتئييس والترهيب والتغييب والاستلاب والمصادرة والالغاء..الخ..الخ.ان ما يمتاز به هذا المسرح،في احسن احواله،وافضل حالاته ، انه مسرح بلا تقنيات،يعتمد الخطاب الكوميدي السطحي،والتحريضي احيانا ، بنية اساسية متحكمة بكل مفاصل بنائه الاخرى فهو سهل الاخراج وسهل الاداء يحتاج فقط،الى ممثل كوميدي متمرس يحظى بالشهرة وخفة الظل والقدرة على الاضحاك حتى في اتفه المواقف الكوميدية واحثرها سفاهة واسفافا .لقد استطاع هذا المسرح ان يزيح الكوميديا الهادفة ويستبعدها لانه غير قادر على تمثلها واستيعابها،ولاعتماده،في اغلب لااحيان،على ممثلين فطريين لم يصقلوا مواهبهم بالدراسة والتعليم والتجريب ولم تتراكم لديهم سوى خبرة الاداء الكوميدي الفطري المجرد.انهم اميون او اشباه اميين فرضوا انفسهم على المسرح في ظرف ساد فيه الشعور الجمعي بالحاجة الى الضحك حسب . واستطاعوا تحقيق نجاحات هائلة على صعيد شبابيك التذاكر حتى انها اذهلت بعض المخرجين والفنيين وجعلتهم يفكرون في الانتقال من عالم الابداع الى عالم الاسفاف وقد فرز واقعنا المسرحي عددا من الاسماء التي بدا انها كانت تمتلك الاستعدادات الكافية،اصلا،لهذا التحو .لقد ظلت الكوميديا الهادفة مركونة في الظل سنوات طويلة حتى خيل لي انها خمدت او اخمدت انفاسها ولم تعد قادرة بعد على الظهور،ولكنني فوجئت وانا احضر العرض الاردني الموسوم بـ(الخروج الى الداخل)الذي كتبه نصه واخرجه لخشبة المسرح محمد الابراهيمي بشموخ الكوميديا الهادفة وبحضورها الاسر مما اوجب على الدخول اليها من حيث خرجت هي الى داخلي لبيان تقنياتها وقدرتها على استخدام الضحكة في لغة فصيحة طيعة مرنة اثبت فريق العمل ان لها مثل ما للهجة العامة من قدرة على الاضحاك وتحرير من البكاء داحضين حجة من زعموا ان لا قدرة لها على ترسيخ الموقف الكوميدي ودعم لاقضية المطروحة كوميديا .
العنونة
(الخروج
الى الداخل)
عنوان وضعه المؤلف/المخرج على اساس
قلب
الوضع الطبيعي لعملية الخروج بوساطة استخدام حرف الجر( الى) بدلا من حرف الجر
(من)بقصد
عكس الحالة الطبيعية باخرى غير طبيعية لاعطاء صورة واضحة عن كيفية حركة
شخوص المسرحية ومسار تلك الحركة داخل النص والعرض وهذا يعطي المتلقي،قارئا كان ام
مشاهدا ، انطباعا اوليا عن سير الاحداث داخل المسرحية سيرا مغايرا للمعقول ومسايرا
لغير المعقول .
الموجهات
تبدا
مسرحية(الخروج
الى الداخل)بسقوط
بقعة ضوء في
المكان الخطا فيطالب الممثل،الذي لم يسقط الضوء عليه ، منفذ الاضاءة بتصحيح الخطأ
الذي صار يقع فيه المرة تلو المرة حتى نكاد نصدق ان الخطأ وقع فعلا بطريقة غير
مقصودة ” مع انها مقصودة فنيا ” وهذا كله مهد لكي لا يندمج جمهور النظارة مع الحدث
او
يتماهى مع حياة الممثل كما يحصل عادة في اغلب الكوميديات وهذا تاكيد لمقولة
يوجين يونسكو للكوميديا كثيرا وبمفهوم بريخت للايهام قليلا . وما حالات كسر الايهام
،
خلال العرض ، الا نزوعا نحو جعل المشاهد يتوقف عن الضحك ليفكر ويحكم بدلا من
استرساله بالضحك اولا ، وثانيا لان الكوميديا لا تمنح جمهور النطارة مخرجا (بفتح
الميم) لان الكوميديا اكثر تيئيسا من التراجيدية على حد زعم يوجين يونسكو
.ان
فريق العمل في هذه المسرحية يريد من المشاهد ان يصل الى هدف حددته المسرحية وسعى
الممثلون اليه بسبل تقليدية وابتكارية،واداء متقن للضكة والفكرة . وهنا تنتهي
المسرحية من وضع اولى موجهاتها .بعد
تصويب مسقط الضوء يؤدي الممثل (عبد الرحمن
بركات)،بطريقة البانتومايم،عددا من الحركات الطقوسية المصاحبة لالات النقر
التي يتصاعد ايقاعها باطراد مستمر حتى تصل الى الذروة فيسقط الممثل على البقعة التي
ظهر
عليها عند بدء المسرحية منهكا وخائر القوى وتاركا في نفوس جمهور العرض انطباعا
بتراجيدية حياتها وسوداويتها حتى يتبادر ، لذهن المشاهد ، انه ازاء عمل درامي جاد
بعيد عن الكوميديا وصروفها.ومن هذا المشهد وبطريقة الصمت نفسها ينتقل من الخشبة
الى
الصالة،مستخدما مصباحا يدويا ، باجثا بين الجمهور عن شخص افتقده لكنه لم سحظى
به
فيعود الى الخشبة ليجده هناك قابعا بهيئة صورة فوتوغرافية كبيرة يطفئ الضوء
اليدوي ويحاور الصورة عبر الظلام مؤكدا ظلامية واقعيه المعيش وتعفنه
:
"ما قيمة الشمس في هذا الجحر العفن"
ويستمر بحثه عن ممثل يؤدي الدور معه بعد وضعه الاشتراطات الاتية :
عبد الرحمن بركات اذا لم يسافر،احمد جوهر اذا اقتنع بالفكرة،عامر زهدي
"اذا زبط"
ويقوده هذا الى محاورة جمهور النطارة حوارا مباشرا بوساطته كسر سلطة الجدار
الرابع وبهذا تكون المسرحية قد انتهت من وضع موجه جديد من موجهاتها.
بعد
ما
ينتهي من محاورة الصورة و يقر بلا معرفته من منهما السجين ومن منهما السجان .. يجلس
لقضاء حاجته ومسح مؤخرته .. يدخل اثنان نعرف ان احدهما ممثل في هذه المسرحية والاخر
تبعه من باب الشك بعدما وجده على قارعة الطريق المجاورة لمبنى المسرح يزن الناس
بمقياس صغير وبطريقة ارتيابية ، يخبرنا ان الناس (ثكلانه) ليؤشر منذ هذه الكلمة
الى
استخدام العرض للمفردات الشعبية الاردنية استخداما خدم الفصحى واعطى العرض ما
يحتاجه من الغور الىاعماق الشخصيات و استكناه دواخلهم . وبهذا يكون العرض قد اعطانا
موجها جديدا من موجهاته الدرامية المتمثلة في استخدام المفردات الشعبية المدخولة في
الفصحى بطريقة مبدعة .
وعودة الى الحوار المباشر بين الممثل والجمهور وبحثه عن الممثل الذي يؤدي الدور معه على خشبة المسرح و تبرع امراة من مجالسي جمهور النظارة وارتقائها لخشبة المسرح وادائها لعدد من الادوار،تكون المسرحية قد جعلت الطريقة سالكة فنيا بين الصالة والخشبة . بمعنى اخر تعامل فريق العمل مع الجمهور باعتباره احد العناص الاساسية للعملية المسرحية . وبهذا يضيف العرض موجها اخر من موجهاته الرئيسية لتبدا مجرياته بشق الطريق نحو طرح ومعالجة قضية الممثل/ الانسان الذي تعرض لصنوف المعاناة والاذى .
القضية
ارتكزت
القضية المطروحة في(الخروج الى الداخل)على عدد من
المرتكزات منها الحرمان،والخضوع لقوة وظلم القدر الغشوم،واستلاب الحقوق
وتيئيس وتغييب الشخصية،واجتثاث جذورها،واحاطتها بمحفزات الاغتراب،وكل ما
يسيغ على حياتها الطابع التراجيدي المحض.فالشخصية،هنا،يحرمها قدرها من دفء
الامومة وحنانها ورعايتها وحبها وحلاوتها فتنشا بطريقة تجعل طفولتها غير طبيعية
وهذا ما يؤكده تصريحها انها لا تحب الحلوى ولا السماء.لقد تحكمت الاقدار بها
وتلاعبت المصائب بحياتها وتفاقمت عليها ضروب الاستلاب وتركتها قشة في مهب الريح.
لقد
بدات هذه الشخصية مسلسل حرمانها منذ الطفولة وساهمت عوامل كثيرة بدفعها قسرا
الى
ظلامية عالم مقيت.فالمعلم الذي يعترف
انه
مسؤول عن تنشاة تلميذه تربويا لا
يهمه من امر تلميذه سوى شغفه بامه و سعيه لملاقاتها في موعد يحقق له رغائبه ويشبع
غرائزه.عندما يبصق المعلم في وجه تلميذه لا يعطي التلميذ اي ردة فعل
" لا باس فانا كثيرا ما ابصق في وجهي"
وعندما يكررها ثانية يردها عليه بوداعة مؤكدا انهما اصبحا صديقين فيبصقان بصقة مشتركة كل في وجه الاخر في دلالة واضحة على انهيار القيم الاخلاقية والروحية . وفي لحظات نوم المعلم امام سبورة الدرس كتوكيد على لا جدوى العملية التربوية يحاور الممثل شجرته الهادئة فيامره المعلم ، الذي يتصنع اليقظة ، بالهدوء ثم يحاصره بالاسئلة الروتينية اين قلمك؟اين كتابك؟اين دفترك؟اين؟ اين؟ اين؟واذ يجافيه النوم تماما يعلن لتلميذه بوقاحة
" امك ما تزال شابه .. رتب لي موعدا معها "
وهنا تقطع الشجرة في اشارة الى انقطاع الشخصية عن طفولتها ومغادرتها لاحلام
البراءة
"
اما
انا احلامي..طفولتي..طز
"
وتبدا المعاناة الاكثر مرارة واشد قسوة في حياة الشاب ولكن على طريقة شر البلية ما يضحك فتبدو الكوميديا،هنا،مدخولة في التراجيديا،والضحكة متحدة بالماساة والسخرية او الهزل بالموقف الجاد.ولكي يعطي المخرج القضية حجمها كاملا فانه يقدم لناسلسلة من الاحداث القاسية المدعومة باستخدامات ابتكارية لقطع الاكسسوار التي استعاض بوساطتها عن الاكسسوارات الحقيقية التي لا يعطي وجودها الفعلي/الحقيقي على الخشبة معنى اعمق مما اعطاه وجودها الافتراضي الايحائي .
المعالجة
خلافا
لاغلب الكوميديات الاستهلاكية استخدمت مسرحية
الخروج الى الداخل) تقنيات المسرح الدرامي من اضاءة ومؤثرات واكسسوارات
وسينوغرافيا..الخ،فقدمت رؤيا متكاملةعن صورة شاب مستلب امتدت مسيرة معاناته من
سليمان العيسى وقصائد الطفولة الى بدر شاكر السياب ومخاضاة التجربة العسيرة القاسية.
ومن
اجل ان يوصل المخرج تلك الصورة بكل الوانها المكونة لحياة ذلك الشاب فانه
يلجا الى الاساليب الفنية والطرق الابتكارية مستخدما من الاكسسوارات المقياس،ومن
الديكور السرير،ومحولا هاتين الاداتين او القطعتين،بطريقة تتلائم وطبيعة دورهما
الادائي،وقدرتهما التعبيرية،الى ماشاء من الادوات التي تتلائم بدورها انيا مع
مجريات الحدث المقياس،هنا،باعتباره مؤشرا رقميا دقيقا للكم او للمقدار المتحقق
من
حياة الناس سواء اكان سلبيا ذلك المقدار ام ايجابيا . وقد استخدم المخرج مقياسين:مقياس
الوزن الذي استدل بوساطته على ان المجتمع،خارج المسرحية،منشغل بالاكل
حد
ان بطون الناس ثقلت اكثر مما ثقلت عقولهم . والمقياس المتري الذي اشار بواسطته
الى
حقيقة طول وعرض وحجم حياتهم مقاسة بحقيقة طول وعرض وحجم حياة الشاب.اما قطعة
الديكور الوحيدة فهي المؤشر الواضح الى اختزال ممتلكات الشاب و ملازمتها لمراحل
حياته وتحولها على وفق متغيرات تلك الحياة الى ادوات كان ابرز ما يميزها هو اختلاف
بعضها وظيفيا عن بعضها الاخر.وهذا هو ما حدث مع المقياس بالضبط اذ تحول في بادئ
الامر الى منشار ضخم قطع الشجرة التي ارتبطت بحياته منذ الطفولة فارداها قتيلة
لتلحق هي الاخرى بموكب الاموات الذي ضم من بين ما ضم امه وابيه لتاخذ صورة الحرمان
عند
هذه النقطة شكلها شبه النهائي.ومن هذه الحالة ينتقل المقياس الى حالة مناقضة
تماما اذ يتحول الى الة عزف (كمان) تعزف الممثلة عليها نغما رومانسيا جميلا
فنستنتج من هذا ان هناك فكرتين اساسيتين تتناولان الموت والحياة بطريقتين مختلفتين
وهذا يعني وجود مقياسين مختلفين . مقياس للموت ومقياس للحياة وكلا المقياسين تحكم
بحياة الشاب وجعلها على ما هي عليه.اما قطعة الديكور الوحيدة التي استخدمها
المعلم،في البدء،كسبورة
درس
فانها تتحول حال قلبها الى منضدة طعام يجلس الممثل
والممثلة في جانبيها المتباعدين.وبعد ان يقدم لها اضمامة ورد يبدان بطلب الطعام
فتطلب الممثل عددا كبيرا من اطعمة لم تذقها من قبل مبالغة في حجم طلبها كتعبير عن
جوعها الاكيد وحرمانها الدائم وهنا يهمس الممثل في اذن النادل امرا اياه ان لا يقدم
لهما من الطعام غير(الفلافل)لضيق الحال وشحة المال وبعد همس ولمس يتحابان
فيتحول النادل الى (ماذون) يعقد قرانهما ، وتتحول المنضدة الى عربة زفاف ، وتتحول
قطع
القماش الموضوعة على المنضدة الى اغطية رؤوس(كوفيات ) و(ايشاربات).ومع
ارتداء العقال العربي تنطلق موسيقى الدبكة الاردنية
ولكن بطريقة غريبة جدا تذهل
الممثل/الشاب فيقف متسائلا عما اذا كانوا قد عولموا الدبكة ايضا.وهنا يتحول
المصباح اليدوي الى ميكروفون والمقياس المتري الى كيتار و(الماذون) الى قائد
للزفة فيدفع العربة وهو يزغرد بعد ان تحولت العربة الى سرير نوم يغازل الشاب من
عليه امراته النائمة.وفي ذروة فرحه وانطلاقه ونشوته يصدم بانقطاع اجلها وتحولها
الى
جثة باردة يدفعها الى وسط المسرح. يرتقي السرير لاعنا الموت
:
"ايها الموت هذا اسوأ توقيت بالنسبة لك"
يرقص فوق الجثة ، يبكي ، يرقص ثانية على نغم اغنية (يالبرتقالة) مقلدا حركات راقصات الاغنية في اشارة الى تمايلهن وهزهن البطون والارداف في الوقت الذي تنام بلادهن على الموت الزؤام وهكذا يضطر الى توديع زوجته التي لم يحض بها ولو لليلة واحدة حسب.طالبا منها ان تبلغ سلامه الى امه وابيه والشجرة وقد انطوى سلامه على الايحاء بكونه رقما مسهلكا كبقية الارقام التي استهلكها الموت بعد طول معاناة وارهاصات واحباط . فها هم اولاء يتهمونه بقتل زوجته ويحكمون عليه بالسجن خمس وعشرين عاما والسرير الذي لم ينم عليه في ليلته الاولى يتحول الى سجن داخله يتبادل الحوار مع السجناء عن الضرائب والبوسنة والاشتراكية والعمولمة.ومن السجن ينادون على اسمه ليلتحق بخدمة الوطن فتتحول المقاييس المترية هنا الى بنادق :
"انت مطلوب للخدمة .. لخدمة الوطن"
وكحال الشباب الاخرين فانه يذهب الى جبهة القتال المزعومة وهو لا يعرف مع من يقاتل او ضد من . في جبهة القتال يتحول المقياس الى هاتف والى منفاخ لملء دواليب العجلة بالهواء وباسلوب كوميدي ساخر يقدم لنا صورا عن الية ادارة المعركة التي لا تعرف غير كلمة تقدموا حتى عندما يخبرونهم انهم أسروا جميعا ياتيهم الامر،عبر الهاتف،
"تقدموا"
بعد الاسر قدموا شكوى الى الامم المتحدة فتحول المقياس المتري الى غليون بفم الموظف الدولي.ويستمر برواية عذاباته ومكابداته التي اسلمته الى المرض فتاخذه سيارة الاسعاف ( وهي نفس المنضدة او العربة او السرير في المشاهد السابقة ) الى المستشفى لفحصه من قبل لجنة طبية اللجنة تبدأ بالعطاس فتقرر انه مصاب بانفلونزا الطيور وتامر بايداعه الحجر الصحي سبع سنوات يطلق سراحه بعدها بتقديم اعتذار مهذب :
"آسفون جدا"
فيضحك الشاب بمرارة والم ، ساخرا من سنواته السبع المهدورة ومنهم وهو يردد
" سبع سنوات..آسفون جدا"
لقد استكمل دورة حياته او استكملوا له دورة حياته.وآن لحلقة خروجه ان تنغلق في النهاية على بدايته .وبمثل ما ابتدأ العرض فانه ينتهي.بقعة ضوء تسقط عليه،دون خطأ هذه الامرة،وهو ما يزال ممددا على الأرض،ثم ينهض ببطء ليعلن عن: الخروج الى الداخل .