فن الرسم في ديالى

مقدمة البحث:

   في ديالى كما في سائر محافظات العراق برز فن الرسم وتطور وحقق حضوراً متفوقاً على فروع الحركة التشكيلية العراقية من نحت وتصميم وخزف وخط.

   إنّ طبيعة العراق الزراعية وجمالياتها وفّرت الأرضية الخصبة لنمو هذا الفن وتطوره وتحقيقه درجات عالية من الرقي والإبداع فضلاً عن وجود القاعدة الأساسية التي استند عليها والتي لم تكن مهيأة للفنون الأخرى.

   ففن الخزف،مثلاً،يحتاج إلى نوع خاص جداً من الأطيان غير المتوفرة في بلادنا وإلى أفران ذوات سعة استيعابية كبيرة ودرجات حرارية عالية جداً. ولم يكن حال التصميم باحسن من حال الخزف لعدم وجود تطور ملحوظ في الصناعة العراقية إلى حد اعتمادها على التصميم الذي يدخل في أغلب منتوجاتها الاستهلاكية والكمالية. وربما استطاع فن النحت أن يحقق له بعض الحضور على نطاق محدود وكذلك فن الخط الذي لم يستطع أن ينجز الكثير إذا استثنينا إنجاز بعض الخطاطين الكبار وعلى رأسهم المرحوم هاشم الخطاط.

   إنّ زيارة واحدة لمتحف رواد الفن التشكيلي تثبت ما ذهبنا إليه،فالمتحف يضمُّ بين جدرانه مئات اللوحات الزيتية والمائية والتخطيطية التي بدأ الفنانون بإنجازها منذ عام 1840م ولم يضم إلا بضعة أعمال نحتية وخزفية.

   الطبيعة الغنّاء إذن والقاعدة الأساسية أمران لابدّ من توفرهما لتشييد صرح هذا الفن الذي على أساسيهما حقق حضوره في محافظات العراق. وفي ديالى حيث الطبيعة الأجمل والجمال الأخاذ والألوان الزاهية والمياه الهادئة استطاع هذا الفن أن يحاكي جمال الطبيعة على أيدي رسامين استطاعوا وبتأثير بعض الرواد أمثال جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وخالد الرحال وغيرهم أن يؤسسوا الجماعات الفنية وأن يقيموا المعارض المشتركة والجماعية والفردية. ومع أنّ نشاطهم لم يكن مصحوباً بالنقد التشكيلي البنّاء إلا أنهم استطاعوا تطوير أنفسهم وأدواتهم بشكل ذاتي جعل منهم فنانين قادرين على الرقي والتطوير.

   ابتدأ فن الرسم رحلته المبكرة في ديالى منذ ثلاثينات القرن الماضي واستطاع عن طريق المعارض المدرسية ومعارض النشاط المدرسي السنوية أن يجتذب له جمهوراً خاصاً متحمساً لحضور هذه المعارض والاستمتاع بمشاهدة ما يقدمه أبناؤهم من لوحات وأعمال يدوية مختلفة

   إنّ البحث عن جذور هذا الفن في ديالى ومتابعة استطالاتها ونموها،وإلقاء الأضواء على منجزها إلى جانب انعدام المصادر والمراجع فيه تطلّب مني القيام بزيارات كثيرة لمَن تبقى من الرسامين على قيد الحياة والاستفادة من خزينهم الذاكراتي يحدوني أمل كبير في التوصل إلى أهم ما يتعلق بهذا الفن في المحافظة.

   لقد جمعت في بحثي،هذا،ما توفر لي من معلومات وبوّبتها ضمن مراحلها الزمنية التي شهدت نشاطاً فنياً ملحوظاً وتوقفت عند مرحلة التسعينات لتوقف النشاطات الفنية الجادة بسبب ظروف الحرب ومشاغلها وهي مرحلة لم نشاهد فيها أي معرض فني متميز إذا استثنينا من ذلك البوسترات التعبوية ثم أفردت مساحة لأعلام هذا الفن في ديالى معتمداً على متابعاتي لأنشطتهم الفنية ومعارضهم التي أقاموها داخل المحافظة وخارجها وبعض اللقاءات التي أجريت معهم وتصويري (باعتباري مصوراً فوتوغرافياً محترفاً) لبعض لوحاتهم أو كلها.

       آمل أن يكون بحثي هذا منطلقاً لبحوث أخرى وحافزاً لباحثين آخرين كي يضعوا لبنات أُخر من أجل تشييد صرح الفن التشكيلي في ديالى عامة وفن الرسم على وجه الخصوص.

*     *     *     *     *

 

أهمية البحث وأهدافه:

   تأتي أهمية هذا البحث من كونه يتناول جانباً مهماً مشرقاً من جوانب الإبداع التشكيلي في ديالى،ومن طرحه جملة معلومات استباقية قمنا،بمجهود فردي بحت،في التحقق من سلامتها ومصداقيتها. فمن المعروف جداً إنّ هذا الفن الذي بدأت أولى بوادره تظهر في ديالى منذ ثلاثينات القرن الماضي لم يوثق بصور أو كتابات. ولم يتناوله الباحثون في رسائلهم وأطاريحهم الجامعية بغض النظر عن الإشارات السريعة والعابرة التي ترد في بعض كتابات وسير ومذكرات الفنانين العراقيين الذين مرّوا مرور الكرام أو عاشوا لبعض الوقت في ديالى.

   بحثنا إذن لم يستند إلى مصادر علمية أو مراجع بحثية أو وثائق رسمية أو شبه رسمية ولم يعتمد على مرجعيات ثابتة. رصيده فقط أشخاص مبدعون ما زالوا على قيد الحياة. من هنا تبدو الحاجة إليه على درجة كبيرة من الأهمية لتثبيت كل ما يتعلق به من معلومات والتحقق منها واثباتها لورودها على لسان هذا وذاك من المبدعين اعتماداً على ذاكرتهم حسب. وبناءً عليه يمكننا القول إنّ بحثنا هذا يشكل حرثاً جديداً في أرضٍ بكر لكي تهيأ لاستقبال الباحثين والمنكبين على دراسة فن الرسم في ديالى.

   وفي الوقت الذي نقدم جهدنا المتواضع هذا لكل المهتمين بالحركة التشكيلية في العراق على وجه العموم وفي ديالى على وجه الخصوص نسعى سعياً حثيثاً إلى تحقيق الأهداف الآتية:

1- تثبيت البدايات الحقيقية لفن الرسم في ديالى.

2- القيام بمراجعة تاريخية للمراحل التي مر بها فن الرسم في ديالى بغية الوقوف على أهم تطوراته وإنجازاته.

3- تأثير بعض رواد الرسم في العراق على الحركة التشكيلية في المحافظة.

4- إضاءة ما خفي من أخبار المعارض الفنية داخل المحافظة وخارجها.

5- التعريف بالجماعات الفنية وبمنجزها الفني ودورها في الحركة التشكيلية عامة والرسم خاصة.

6- التعريف برسامي المحافظة وبدورهم في إبراز فن الرسم ودفع عجلة تطوره نحو الأمام.

7- إلقاء الأضواء على أعلام الرسم في المحافظة وتناول سيرهم الذاتية والإبداعية.

 

الفصل الأول: نبذة تاريخية:

1. مرحلة الثلاثينات:

   في هذه المرحلة الجنينية المبكرة من تاريخ الفن التشكيلي في ديالى كانت مديرية معارف لواء ديالى(1) تقيم كل عام على هامش العام الدراسي كرنفال فرح ومحبة وجمال ابتهاجاً وافتخاراً بطلبة المراحل المختلفة من الموهوبين والمتميزين..تعرض نتاجاتهم الفنية في معارض سنوية كبيرة..كل معرض منها تغص به قاعات وصفوف مدرسة كاملة..وكان زوار المعرض من أبناء المحافظة يترددون عليه صباح مساء وهم يرتدون أحلى ملابسهم وأجمل حليهم،يتأملون مختلف اللوحات الزيتية والمائية التي أنتجتها أنامل أكبادهم أو يتمتعون بمرأى أشغال أولادهم اليدوية الجميلة.وفي يوم الختام يكتمل الكرنفال بتوزيع الجوائز على الفائزين ويظل الكل بانتظار عام جديد ومعرض جديد وجوائز كانت تمنحها للفائزين لجان تشكّل من أبرز معلمي ومدرسي مادة التربية الفنية.

   لقد أنبتت هذه المعارض بذوراً نمت وترعرعت وأعطت أكلها في هيئة فنانين واعدين. صحيح أنّ مرحلة الثلاثينات في ديالى لم تفرز أسماء مهمة ولكنها بالرغم من ذلك خلّدت لنا أسماء عملت بدأب وحرص وعناد على تنمية ذائقة الطلبة الفنية وتطوير قابليتهم وصقل مواهبهم في الحالات الفنية المختلفة،ومن تلك الأسماء نذكر المربي الراحل صالح عبدالقادر والمربي الراحل نجم الدين فليجة وهما رسامان هاويان وخطاطان مبدعان ومحبان للفنون التشكيلية قاما بتدريس مادة الرسم والفنون الأخرى في المدارس الابتدائية والثانوية وأنبتا حب هذه الفنون في نفوس العديد من طلبة الثلاثينات.

 

2. مرحلة الأربعينات

   لقد تركت مرحلة الثلاثينات تأثيراتها الكبيرة في نفوس الطلبة ومعلميهم..واستمرت الأنشطة الفنية المدرسية بالوتائر نفسها في مرحلة الأربعينات..وأفرزت المرحلة أسماء جديدة كان لها حضورها الفني آنذاك،وتأثيرها في سير الحركة الفنية كالأستاذ محمد علي هادي السعيد الذي كان له دور فاعل ومؤثر في الحركتين التشكيلية والمسرحية،فهو فضلاً عن دوره التربوي وتنميته الذائقة الفنية كان ممثلاً ومخرجاً وكاتباً مسرحياً وفناناً له حضوره المتميز في الدراما التلفازية،وكان فريق عمله يضم عدداً من الفنانين المتميزين والبارزين في مجال تخصصاتهم الفنية كالفنان الرائد سعدون شفيق والفنان الرائد حسين ناصر.

 

3. مرحلة الخمسينات

   توّجت الجهود الفنية الحثيثة التي بذلها فنانو المرحلتين السابقتين في محافظة ديالى والمحافظات الأخرى والعاصمة بغداد بتأسيس معهد الفنون الجميلة عام 1952 فكان أبرز ظاهرة فنية أكدت على أهمية الفن ودوره الكبير في التأثير فنياً وثقافياً على فئات وطبقات مختلفة من أبناء المجتمع. لقد أتاح هذا المعهد فرصاً كثيرة أمام الطلبة ومحبي الفن التشكيلي بكل فروعه واختصاصاته لزيادة معرفتهم ودعم تجاربهم بالنظريات العلمية والدروس العملية والمشاهدات الحية والاطلاع على المبتكر والجديد في تلك الفروع..وحال تأسيس هذا الصرح الفني الكبير انخرط في دورته التأسيسية الأولى عدد من أبناء المحافظات العراقية أبرزهم الفنان الديالي ناظم الجبوري الذي أثبت عبر مراحل الدراسة تفوقاً وتقدماً على زملائه من فناني المحافظات وبغداد ، طوال سنوات المعهد الثلاث وتخرج وعُيّن ، بعد تخرجه ، معلماً للرسم في دار المعلمين الابتدائية في الأعظمية ببغداد ثم معلماً في دار المعلمين في بعقوبة..وفي العام الثاني لتأسيس المعهد انخرط فيه كل من الفنان عزيز الحُسُك والفنان أدهم إبراهيم وكان الحُسُك متميزاً أيضاً أثبت خلال فترة دراسته قدرات لا يستهان بها على الابتكار والتطوير.

   لقد أحدث تأسيس المعهد تأسيس نقلة نوعية في الفن جعلت أهدافه أكثر سمواً بعد أن كانت مقتصرة على النواحي الجمالية البحتة وكان لأساتذة المعهد الذين أكملوا دراستهم خارج القطر الدور الفاعل في أجيال ما بعد التأسيس،وانعكس ذلك على محافظة ديالى إذ رفد الحركة التشكيلية بعدد من الخريجين الجدد الذين أضافوا دماءً جديدة متدفقة إلى شريان هذا الفن فانتعشت حالة الإبداع وصارت معارض الطلبة أكثر التزاماً وإبداعاً وابتكاراً بعد أن كانت تعتمد على تقليد واقتباس أعمال الفنانين الكبار المنشورة في المجلات المحلية والعالمية دون وعي ودراية بأبعاد العمل الفني باستثناء ناحيته الجمالية التزيينية..ومن بين عدد من معلمي التربية الفنية برز أسم الأستاذ نعمان حسون والأستاذ جميل الربيعي حيث أبهر الأول جمهور المعرض المدرسي الذي أقيم عام 1958-1959 في مدرسة بعقوبة الأولى وافتتحه آنذاك متصرّف اللواء السيد عادل جلال،بلوحته(المزهرية)بألوانها الجذّابة الزاهية،كما أدهش الثاني جمهور المعرض بلوحته المائية الزاهية الألوان التي تمثل القنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما حتى قالوا فيها "كان جمال ألوان الانفجار يجعل المرء يتمنى لو كان في قلب الانفجار الرهيب". ومن الجدير بالإشارة أنّ لجان التحكيم،في هذه المرحلة،كانت تشكّل من نخبة ذات مستوى فني رفيع يرأسها الفنان المبدع الكبير الراحل عطا صبري الذي أضفى حضوره كرئيس للجان التحكيم قيمة معنوية وأهمية فنية جعلت وتائر التنافس النزيه تتصاعد نحو ذرى الفن التشكيلي الخلاق.

 

4. مرحلة الستينات

   إذا كان أهم حدث تشكيلي إبان مرحلة الخمسينات هو تأسيس معهد الفنون الجميلة فإنّ أهم حدث فني في مرحلة الستينات هو تأسيس أكاديمية الفنون الجميلة عام 1961 فإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على ضرورة الفن وأهمية دراسته والحاجة إلى متخصصين فيه بأعداد غير قليلة لا يستطيع المعهد سدها أو الارتقاء بها علمياً إلى درجات أعلى. لقد كان أول المتقدمين إلى هذه الأكاديمية،في عامها التأسيسي الأول،من ديالى الفنان خضير الشكرجي والفنان لطفي نجم الدين بعد أن تخرجا من معهد الفنون الجميلة..وبعد تخرجيهما من الأكاديمية كدفعة أولى أقاما معرضيهما الشخصي المشترك على قاعة نقابة المعلمين/فرع ديالى،وكان هذا أول معرض شخصي مشترك لفنانين من بعقوبة بعد المعرض المشترك للفنانَين الكبيرين شاكر حسن آل سعيد ومحمد غني حكمت الذي أقيم في بعقوبة وشكّل تظاهرة فنية(2) كبيرة عام 1962،إذ لم تشهد المحافظة،من قبل،معرضاً مثل هذا أثّر في الحركة الفنية ووضع لبنة أولى في صرح الفن التشكيلي عموماً وفن الرسم على وجه الخصوص وجعل الشباب يتقد باتجاه إكمال دراساتهم في معهد أو أكاديمية الفنون الجميلة.

   في هذه المرحلة تخرج عدد آخر من فناني المحافظة كان أبرزهم الفنان سامي مسعد الذي عيّن مدرساً في قضاء الخالص والفنان عبدالوهاب الونداوي. وبتخرج هؤلاء الفنانين تطورت المعارض المدرسية وقطعت أشواطاً طويلة في فترة قصيرة جداً، كما اشتدت المنافسة بين المدرسين والمعلمين لتقديم عطاءات أفضل وأكمل،وأصابت الطلبة حمّى المنافسة الشريفة بغية الحصول على الجوائز التي كانت تعتبر تقييماً حقيقياً لجهودهم،خاصة وإنّ لجان التحكيم كانت تنتقى بعد دراسة ومشاورة كبيرتين.

   في نهاية هذه المرحلة أقام الفنان عزيز الحُسُك معرضه الشخصي الأول على قاعة جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين وكان المعرض امتداداً لما قدمه في أطروحة تخرجه في أكاديمية وارشو،وقد أثار المعرض كثيراً من الكتابات النقدية حول تعدد الأساليب الفنية التي طرحها الفنان المبدع عزيز الحُسُك.

   وفي نهاية هذه المرحلة،أيضاً،وبحدود الأعوام 1967-1968 شهد تاريخ الحركة التشكيلية في ديالى تشكيل أول جماعة فنية في المحافظة أطلقت على نفسها(جماعة تموز)تألفت من الفنانين خضير الشكرجي،جاسم مصطفى،الراحل حسن فليح،فيصل شرموخ السعدي،شنيار عبد الله،استطاعت هذه الجماعة أن تقيم عدداً من المعارض الفنية في بعقوبة وبغداد وبعض أقطار الخليج العربي. بدأت معرضها الأول في بعقوبة واشترك فيه مؤسسو الجماعة فضلاً عن فنانين من بغداد أذكر منهم الفنانة فوزية البعقوبي وحامد الصفار والموسيقي طارق حسون فريد،مساهماً بلوحة تجريدية واحدة،وجودت حسيب،ونُقل المعرض إلى قاعة الفن الحديث (كولبنكيان) في بغداد.

 

5. مرحلة السبعينات

   شهدت هذه المرحلة قفزات نوعية مهمة في الرسم والنحت..وتميزت المعارض الشخصية والمشتركة والجماعية بتطور كمي ونوعي على الصعد المختلفة..ففي عام 1973 أقيم معرض (أعياد تموز) في الهواء الطلق على سياج نهر (خريسان) وشارك فيه الفنانون خضير الشكرجي وعزيز الحُسُك وعبد علي مجيد وجاسم مصطفى وعبدالله الصباغ وحسن فليح وناظم الجبوري وعلي الطائي،واستمر عرضه لمدة أربعة أيام متتالية كانت مشاركة الفنان عزيز الحُسُك في هذا المعرض مشاركة بارزة وكبيرة،إذ فاجأ الجمهور بلوحاته التنقيطية والتجريدية التي لم تلقَ أول الأمر قبولاً لكنها سرعان ما صارت مألوفة ومقبولة وصار أسلوبها مرتبطاً بإسم الحُسُك منذ ذلك الوقت. ويعتبر هذا المعرض أول معرض يقام في الهواء الطلق بعيداً عن جدران القاعات وفضاءاتها الضيقة.

   في العام نفسه أقيم على قاعة المحامين في بغداد عشية انعقاد مؤتمر الشباب العالمي في ألمانيا معرضاً شارك فيه من بعقوبة الفنانون عبدالله الصباغ وخضير الشكرجي وحسن فليح وعبد علي مجيد وجاسم مصطفى وجبار حميد..وهو معرض شامل شُكلت خلال عرضه لجنة لاختبار أفضل اللوحات بغية عرضها في مهرجان الشباب العاشر في برلين..وقد قامت هذه اللجنة بعرض اللوحات الفائزة في معرض أقامته في صدر القناة لاطلاع الجمهور والنقاد عليه وسماع آرائهم واعتراضاتهم حول الاختيار،وكان أن اختارت اللجنة من بعقوبة لوحة الفنان عبدالله الصباغ المعنونة بـ(الحصاد) كما اختارت لوحة الأستاذ جبارحميد النجار والتي تمثل شعار المهرجان اشتغل فيها بطريقة التطعيم بالخشب.

   عام 1974 تمكن الفنان ناظم الجبوري بمشاركة الفنانين عبدالوهاب الونداوي وعلي الطائي من إقامة معرضهم المشترك الذي شاهد فيه جمهور المحافظة لوحات زيتية تصور طبيعة المحافظة وأجواءها وفضاءاتها الخلابة فضلاً عن اللوحات المائية التي ابتدعتها أنامل الفنانين ناظم الجبوري وعبدالوهاب الونداوي.                              

   عام 1976 أقيم المعرض الأول للفنان ناظم الجبوري وهو ثاني معرض شخصي في تاريخ الحركة التشكيلية في المحافظة بعد معرض الفنان الحُسُك ، وفي العام نفسه أقامت(جماعة تموز) معرضها الأخير في بعقوبة بمساهمة كل من خضير الشكرجي وجودت حسيب وحسن فليح وعبدالحليم رمضان وجاسم مصطفى وفيصل شرموخ وجاسم الزبيدي،ونُقل هذا المعرض بعد انتهاء عرضه في بعقوبة إلى بغداد ثم إلى الكويت.

   بعد هذا المعرض تفككت هذه الجماعة بشكل تلقائي فقرر لفيف من الفنانين تشكيل جماعة أخرى لتكون بديلة بعد أن فقدت(جماعة تموز) مبرر بقائها..تشكلت الجماعة الجديدة من الفنانين خضير الشكرجي وعبدالله الصباغ وفيصل شرموخ السعدي وشنيار عبدالله وموسى الخالصي (وهو فنان مسرحي). عقدت أول اجتماعاتها في بيت الشكرجي وثاني اجتماعاتها في بيت الخالصي ولم تستطع الاستمرار بعد هذا الاجتماع فاعتَبر بعض أعضائها أنها في حكم الملغاة.

   ومما يسترعي الانتباه في هذه المرحلة هو اقتحام المرأة مجال الفن التشكيلي وتخصصها في أحد فروعه وحصولها على شهادة فيه حيث كانت أولى المتخرجات من أكاديمية الفنون الجميلة الفنانة ناريمان رمضان والفنانة ولادة الدباغ،كما ازداد عدد الخريجين من الذكور..نذكر منهم الفنان علي الطائي والفنان باسم أحمد صالح،أما الفنان جاسم مصطفى الذي جايل الفنان ناظم الجبوري فقد تخرج مع هذه الدفعة لتأخره وعدم مواصلة الدراسة مع مجايليه لأسباب شخصية.

لقد أثر هذا العدد من الفنانين البارزين في عدد آخر من الفنانين الشباب وصارت الحركة التشكيلية حبلى بالمواهب المتدفقة بلا انقطاع فتشكلت في هذه المرحلة أكثر من جماعة فنية أثرت في الواقع الفني والحركة التشكيلية في ديالى ومن تلك الجماعات(جماعة الشباب)التي كانت مؤلفة من الفنانين علي الطائي وجعفر عبود وحكمت رشيد وعبد علي مجيد أقامت معرضاً واحداً على قاعة نقابة المعلمين/فرع ديالى،وتحت التسمية نفسها شُكلت بدعوة صادقة من لدن الفنان عبدالوهاب الونداوي مجموعة أخرى مؤلفة من ضياء أدمون ووحيد ماهي وعمر الحُسُك وعبدالمنعم الحيالي وولادة الدباغ والفنان الراحل انظر الجزراوي. استطاعت هذه بمساعدة الونداوي ومدير الإعلام الداخلي أن تقيم معرضاً في كركوك وفي بعقوبة وآخر في بغداد..لقد عمل الونداوي مرشداً لهذه الجماعة وموجهاً لها حتى استطاعت أن تقيم عشرة معارض متلاحقة،وهذا ما لم تستطعه الجماعات الأولى على الرغم من تخصصاتها الفنية. وبعد انفصال الفنانة ولادة الدباغ والراحل أنظر الجزراوي غيرت هذه الجماعة أسمها فصار يطلق عليها(جماعة ديالى).

   يذكر الدكتور عباس الصراف في كتابه المعنون(جواد سليم)(3) أنّ جواداً بعد أن عاد من فرنسا عام 1949 ورأى جمال بعقوبة وطبيعتها الساحرة ومساحتها الصغيرة التي تجعلها تبدو كقرية مزهرة معشبة غنّاء تمتد على مساحتها الظلال الوارفة لأشجار التوت والليمون والنخيل والصفصاف،فكّر في إقامة تجمع للفنانين فيها على غرار ما شاهده في إحدى القرى الفرنسية القريبة من باريس،لكن الوقت لم يسعفه ليحقق ذلك الحلم. ولم يكن جواد وحده معجباً بجمال المدينة/القرية بل كان الفنان خالد الرحال الذي كان يسكن في طلعة السراي القديم(واجهة محلة المنجرة حالياً) معجباً بها أيضاً وكذلك الفنان محمد غني حكمت والفنان المخضرم شاكر حسن آل سعيد الذي كان متواجداً فيها بحكم وظيفته كمدرس في ثانوية بعقوبة(4). كل هؤلاء غرزوا في نفس أهل ديالى حب الفن التشكيلي فعمل عدد من شبابها على تحقيق حلم جواد سليم فألّفوا فيها جماعات فنية كمجموعة(تموز)التي مر ذكرها و(جماعة ديالى)التي تشكلت من الفنانين الهواة عام 1978 وهم ضياء أدمون ووحيد ماهي وعمر الحُسُك ومنعم الحيالي. وكانت اختصاصات هؤلاء الأربعة بعيدة عن الفن،فالأول متخصص في العلوم الإحصائية والثاني متخصص في التعليم والثالث بالتكنولوجيا وكذلك الرابع،وهم جميعاً يتبعون المدرسة الواقعية الحديثة مع أنهم مختلفون في طرائق تعبيرهم وتفكيرهم وكل واحد منهم يطمح ويعمل جاهداً كي يكون له أسلوب متميز. لقد قدمت هذه(الجماعة)أفضل ما عندها عبر عشرة معارض فنية في ديالى والتأميم وبغداد. ومما يؤسف له أنّ هذه الجماعة تفككت لأسباب غير فنية وانتهى دورها وتأثيرها في الوسط الفني والثقافي داخل المحافظة بعد أن ترسخت أعمالها وتحددت أهدافها وثبتت على طريق الفن الطويل خطواتها الواثقة الواعدة.

   لقد تميزت مرحلة السبعينات على غيرها،من المراحل السابقة،في أنها ارتقت بالمستوى الفني درجات أعلى من الرُقي الفني والجمالي وتميزت أيضاً بطرحها موضوعات إنسانية تمس الجوهري من حياة البشر واستطاعت أن ترتقي بجمهور النظارة والمتابعين إلى مستوى جيد من التلقي والمشاركة الوجدانية والجمالية.

 

6. مرحلة الثمانينات

   كان ابرز الأحداث الفنية في هذه المرحلة هو تأسيس نقابة الفنانين حيث انظم إليها عدد من فناني محافظة ديالى شكلوا فيما بعد نواة فرع لها أقاموا من خلاله وبمساندة جمعية التشكيليين العراقيين معارض جماعية فضلاً عن مشاركتهم في اغلب نشاطات الجمعية والنقابة.

   لقد اثبت فنان ديالى حضوره في معظم المعارض المحلية والعربية واستطاع الفنانون الرواد من التوزع على رقعة الحركة التشكيلية وملء فراغها بمعارض شخصية وبمشاركات جماعية داخل القطر وخارجه. وكان من أبرزهم الفنان ناظم الجبوري والفنان خضير الشكرجي.

   في هذه المرحلة ظهر اسم الفنان المبدع منير العبيدي على الرغم من عدم مشاركته في نشاطات المحافظة أو أقامته معرضاً فيها إلا انه قدم في بغداد عدداً من المعارض المهمة التي اهتمت بها الصحافة والنقاد وقتذاك اهتماماً ملحوظاً وصار مع الفنان ناظم الجبوري والفنان عبدالوهاب الونداوي واحداً من رسامي اللوحات المائية القلائل في ديالى.

 

الفصل الثاني:الأعلام

1. ناظم الجبوري

   ولد الفنان ناظم حسن الجبوري(5) عام 1933 في بعقوبة. أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة بعقوبة الأولى. وفي عام 1945 شارك،وهي مشاركته الأولى،في المعرض السنوي التقليدي الذي تقيمه(مديرية معارف اللواء) ونال جائزة فردية شجعته على الاستمرار في الرسم وعززت في نفسه الإصرار على المشاركة. وعندما دخل(ثانوية بعقوبة)كان أكثر زملائه مساهمة في الأنشطة الفنية ولم يكد يمر به عام دون أن يحصل على جائزة أو أكثر من الجوائز الفنية حتى دخل معهد الفنون الجميلة في دورته التأسيسية الأولى عام 1952. وهو واحد من الرواد الأوائل في محافظة ديالى الذين عشقوا فنهم عشقاً صوفياً خالصاً. وافتتنوا بحب الطبيعة وسحر جمالها وألق تدرجاتها اللونية.

نشأ فيها انطباعياً في أسلوبه،تأملياً في ذاته مغامراً مبحراً،منذ بداية رحلته الفنية،على موجة رينوار وسيزان وفان كوخ ومونيه ومانيه وجوجان.

   لقد أحب ألوان الماء،وزاده شغفاًِ بها تشجيع أستاذه الفنان الكبير عطا صبري الذي كنّاه،كما اخبرني هو،بابي الألوان المائية عام 1954 أمام رهط من الفنانين الأجانب،الذين شاركوه المعرض في بغداد ولفيف من طلاب معهد الفنون الجميلة.

       في لوحته(على ضفاف نهر ديالى)يترك النهر في نفسه انطباعاً يتحول عبر ضربات الفرشاة ومائها إلى لطخات حية للسفح الغريني المتعامد على الضفاف والمتوج بالليمون  والنخيل ، يتوازن فيها،بشكل فني متقن،سطح الماء وسطح الفضاء لتنحصر بينهما التدرجات الغرينية بألوانها الذهبية والرملية والبنفسجية والخضراء،تفصل التماعات الشمس بين حافاتها من خلال الفراغات اللونية التي يتركها بطريقة تكاد تكون جزءاً من اسلوبه الخاص. 

   الجبوري فنان متعدد المواهب،فهو مصور فوتوغرافي جيد في انتقائه اللقطة          (الصورة)المعبرة،ودقيق في اختيار زوايا التصوير،وله قدرة كبيرة على استثمار مساقط الضوء المتوهجة على حافات الأجسام التي يرغب أو يقرر تصويرها. وكي يصل إلى قناعة تامة بالتباين اللوني بين الأسود والأبيض فانه يقوم بتحميض أفلامه وطبعها اعتماداً على خبرته الخاصة في مجالي الطبع والتحميض. وهو تجريبي في شغله الفني والتقني فهو يرسم بمختلف المواد اللونية كالزيت والجاركول والبوستر والباستيل بأنواعه ثم تخصص في الصعب      منها،الألوان المائية،وأبدع وتفوق فيها كما هو دأبه مذ كان طالباً في معهد الفنون الجميلة عام 1952 مع زميله النحات الراحل ميران السعدي ضمن أول دورة من دورات المعهد في فرع الرسم ببغداد. ولكونه الأول على دفعته فقد عُيّن،تمييزاً له،معلماً للرسم في دار المعلمين بالأعظمية،كما مر بنا،ولم يتوقف نشاطه وإبداعه،بعد سبعة معارض شخصية وعشرات المشاركات في المعارض الجماعية كمعارض جمعية التشكيليين العراقيين عام 1956 و 1957 و 1958 ومعرض السنتين الغربي الأول في بغداد ومعرض تشرين والثورة عام 1973 وعام 1974. وكان قد رُشّح للمشاركة ضمن أحد عشر فناناً عراقياً في المعسكر الصيفي للفنانين العراقيين في شمال الوطن عام 1978 من قبل وزارة الثقافة والإعلام لرسم معالم شمالنا الساحرة. ولم يتوقف طموحه بعد حصوله على الجوائز الأولى في الزيت والبوستر،عند حد معين فهو ما يزال منهمكاً كعهدنا به،في غمرة الإبحار على موجة الانطباعية. ولايني يمنح فرشاته كل يوم،الحب والشغف التشكيلي الذي عرف به منذ وقت مبكر من حياته الفنية.

   والجبوري،بعد هذا وذاك،رجل كامل التهذيب،صادق،متسامح،متواضع،عاشق للطبيعة،محب للناس،وذو خلق رفيع.

 

2. عزيز الحسك

     

   اسم له وقع خاص في نفوس محبي الفن التشكيلي في ديالى،وتأثير واضح على ذاكراتهم الفنية..اسم ارتبط بفن الرسم ارتباطاً وثيقاً،وامتدت بين الاسم وهذا الفن أواصر اقوى من أن يذهب بمتانتها الزمن..اسم ما يكاد فن الرسم يذكر في ديالى إلا ويذكر معه لاعتبارات كثيرة منها انه لفنان مجدد و تجريبي ومبتكر. ومنها لأن أهل ديالى عرفوه كاسم لأول مصور فوتوغرافي في محافظتهم وأول مصمم لماكينة صنع زيوت الرسم و ماكينة الإطارات الخشبية و ماكينة النقش على الخشب. وعلى الرغم من كل هذه القدرات و الإمكانيات التقنية المختلفة تخصص في فن الرسم وطرح نفسه كرسام سواء من خلال أعماله الإبداعية أو أقواله الشفهية فهو يقول ، على سبيل المثال ، بتواضع جم:

"أنا أبسط فناني هذا العالم ..أنا فنان تشكيلي ، رسام،رسام،رسام"

وفي الوقت ذاته،وعلى الرغم من تواضعه،يحتفظ بكبرياء الفنان المبدع وشموخه وترفعه متمثلاً في قول الشاعر العربي الفذ أبو الطيب المتنبي "أنا الطائر المحكي والآخر الصدى".

   تقدم الحسك لمعهد الفنون الجميلة وقبله الفنان الكبير فائق حسن من بين عدد كبير من المتقدمين لهذا المعهد. وقد أظهر تفوقاً وتميزاً واضحين خلال سنوات دراسته كلها. وبعد تخرجه أقام على قاعة جمعية التشكيليين نهاية الستينات معرضه الأول الذي كان امتداداً        و استمراراً لما قدمه في أطروحة تخرجه من أكاديمية وارشو بامتياز كبير. في هذا المعرض طرح الحسك،لأول مرة،فكرة التنقيط المعاصر(6) بلوحتي (شروق) و(غروب) ومنذ هاتين اللوحتين عمل الحسك على إضافة(المعاصر) للتنقيط ليتسنى للمتلقي الدارس والمتأمل التفريق بين أسلوبين..أسلوب التنقيط الذي واكب الفن الانطباعي في فرنسا وبطله(سورا) والذي تحدد أسلوبه في ملء الفرشاة باللون الكثيف وملامسة(الكونفاس) وبين أسلوبه الذي يعتمد العفوية في تنقيط اللون على(الكونفاس)من على ارتفاع ملائم. ويكون  اللون،هنا،سائلاً ينقط بخبرة ودراية ..التنقيط عند الحسك،إذن،مغاير للتنقيط عند(سورا) من حيث الأسلوب والنتيجة. وبذا يكون للحسك الأسبقية في التنقيط المعاصر على فناني أوربا وبولونيا و أمريكا.

   في معرضه الثاني الذي أقيم على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث بلور أسلوب التنقيط عن طريق رشق أو نثر اللون على الكونفاس والاستفادة من التكوينات التي يحدثها هذا الرشق او النثر والتركيز عليها وإبرازها.وفي معارضه الثالث والرابع والخامس التي أقامها  جميعاً،على قاعة الرشيد،استطاع أن يثبت أسلوبه الجديد وان يمنحه شكله الأكثر تطوراً الأمر الذي جعل فنانين كبار يشيدون بجهوده ويثنون على قدراته الإبداعية مثل الفنان شاكر حسن آل سعيد والفنان إسماعيل الشيخلي الذي أناب عن وزير الثقافة في افتتاح اغلب معارضه تلك مسجلاً انطباعاً حميداً لا يخلو من الإعجاب والثناء. وفي معرضه السادس الذي أقيم على قاعة حمورابي في العاصمة الأردنية وضم ثمان وعشرين لوحة عالج فيها التدرجات اللونية،بأسلوب أضفى عليها نوعاً من الانسجام الذي يقترب في جوهره من الموسيقى الصاخبة التي تستفز المتلقي وتشده إليها بتوتر مقصود ولكن بعذوبة هائلة،طور أسلوبه فبدت لوحاته المنقطة اكثر تكاملاً وجمالاً وإيغالاً في النفس البشرية..

   إن الحسك كأفكاره هادئ هدوء البركان،ساكن سكون العاصفة،كاظم لغيظه وغضبه،كاتم لمرارته تصعب معرفته دون الغور في أعماقه المنثورة على لوحاته ودون كشف تلك الأعماق وهذا حال لوحاته بالضبط. ذلك لأنه يعتم عليها بقصدية يبغي من ورائها جعل المتلقي يغوص إلى الأعماق، أعماق اللوحة وان لا يكتفي بوجوده عائماً على سطح فكرتها.

ولقد ساعد استخدامه التنقيط(7) بتقنية عالية أن ينظر إلى اللوحة من عدة زوايا ومستويات.وهذا وحده الذي يمنح الرائي جواز الغور إلى عالمه الإنساني. انه يحفر في حياة البشر. ينقب تحت ركام هائل من الضغوطات الداخلية والخارجية. ولعله يريد من اللوحة في النهاية أن تصرخ في وجه العالم حتى وان كانت تلك الصرخة أخيرة يفجرها ألم قاتل .ففي لوحته المنقطة(البشر والحرب)جعل الحصان الجريح النازف يصرخ بملء فيه فاتحاً شدقيه على آخرهما على الرغم من شلال الدم الهابط من فمه. ذلك هو ما يحسه الحسك من معاناة دامية تسحقه من الداخل ولا يجد ما يخفف عنها سوى فعل فرشاته الذي يظل،على الرغم من كل شيء،عاجزاً أمام فعل الكلاب وهي تمزق جسد امرأة تحت جنح ظلام ثقيل رهيب في لوحة (مصير امرأة). إن حال الحسك كحال شاعر يكتم غيظ العصر ومضض ليالي الحصار وغضب دم الشهداء. يكتم حد الانفجار،ولا سبيل إلى ذلك غير اللون والنقطة والفرشاة.

   إن ما يميز لوحات الحسك(8) المنقطة هو نخبويتها واقتصارها على عدد من المتلقين القريبين جداً من الوسط الفني. فسبب طبيعتها وحداثويتها وأسلوبها الجديد تفترض أن يكون للمتلقي عينان مدربتان على الرؤية والتدقيق والتأويل. لهذا لم يكن للحسك جماهيرية وشعبية كما هو حال اكثر الرسامين الآن وهذا جعل لوحاته المنقطة غير قابلة للبيع كما هو حال اغلب اللوحات الآن. إن هذا الوضع الذي يمقته الحسك مقتاً شديداً هو الذي فرض عليه العزلة والارتكان إلى مشغله على الدوام. والابتعاد عن المتاجرات والمهاترات كي لا تتحول لوحته إلى سلعة يتاجرون بها فتختلط الأمور عليه بين العمل وبين بيع ذلك العمل. إن عزيز الحسك فنان من النوع الذي لا يقتنع بنتيجة ما أو بعمل معين من أعماله وإلا لاكتفى بما قدمه في المعهد أو الأكاديمية. ولاكتفى بالانطباعات التي حصل عليها من الراحلين فائق حسن وجواد سليم. إن ما يريد الحسك من كل معارضه عامة ومن لوحاته المنقطة خاصة كما يؤكد ذلك مراراً وتكراراً،هو اللون ثم اللون. حتى الخطوط،عنده،تأتي بالدرجة الثانية من حيث أهميتها في اللوحة وقد يأتي في كثير من الأحيان من خلال اللون أيضا ذلك هو الحسك المولود عام1938.رجل متواضع بلا حدود وفنان كبير ارتضى لنفسه أن ترتكن في بعقوبة بعيداً عن أضواء العاصمة وضوضاء الإعلام وتهريج المدعين وان تنذر للإبداع حسب.

 

3. عبد الوهاب الونداوي

   برفق..مسك فرشاته بأطرف أصلبعه الناعمة وراح يتأمل المساحة البيضاء التي أمامه بصبر وصمت..وغمس فرشاته في خليط الالوان الزيتية،وهمَّ بوضعها على نقطة ما في الـ(كونفاس)،وقبل أن يلامس اللون تلك النقطة المجهولة شلّت قدرته على الأداء وخيّل له أنّ سنوات دراسته،كلها،ذهبت أدراج الريح..استشاط غضباً وامتلأ غيضاً ولم يستطع تحمل وجع انتهائه كفنان،فاستجمع قوته،كلها،وبقبضة شديدة موجهة لتلك المساحة البيضاء أطاح بالركيزة أرضاً. شعر كما لو انه أطاح بنفسه المتمردة فجلس على الأرض وأجهش ببكاء شديد..تناهى صوت ارتطام الركيزة بالأرض إلى مسامع والدته فهرعت إليه .. توقفت متأملة ابنها الذي لم يمضِ على تخرجه في معهد الفنون الجميلة إلا قليلاً..مسكت ذراعه بقوة وسحبته إليها وقالت له بثبات..لا تدع هذا يبكيك..عليك آنت أن تبكيه..وغادرته إلى مطبخها..ألقت حكمتها العظيمة وغادرته إلى مطبخها..أصابته دهشة كبيرة فغر لها فاه وتناسلت في رأسه علامات التعجب والاستفهام.

   وقف أمام المساحة البيضاء،مرة أخرى،مستمداً قوته من قوة تلك الحكمة العظيمة بثقة الفنان واعتداده..تأملها بصبر وصمت..غمس فرشاته في خليط الألوان الزيتية فانكشف أمامه على المساحة الصغيرة عالم كبير لا يحده حد..ومنذ ذاك وعبد الوهاب الونداوي يعمل تحت سطوة تلك الحكمة وتأثيرها العجيب..يتذكرها كلما همَّ برسم لوحة جديدة،ويصر على عدم نسيانها لأنها مفتاحه لكشف أسرار عالم الفن الغامض والجميل.

   عندما نقلت خدماته،كمدرّس،من مدينة العمارة إلى قضاء خانقين في ديالى توجه إلى مرسم المدرسة بشكل مباشر..تطلع إلى اللوحات التي كانت معلقة على جدرانه واحدة واحدة..كانت كلها منقولة أو مستنسخة عن لوحات جاهزة.

   قرأ الأسماء التي ثبتت عليها: إسماعيل الخياط،سردار،حسن،وبذكاء الفنان الأكاديمي راح يسأل عن تلك الأسماء كلما دخل صفاً من صفوف المدرسة موجهاً لهم دعوته لحضور اجتماع في مرسمها..أمرهم أن ينزلوا لوحاتهم من على الجدار ويجمعونها في باحة المدرسة أمام المرسم..أصابهم الذهول إذ اخرج من جيبه علبة كبريت..التقط،منها عود ثقاب وببرود جعل النار تسري في لوحاتهم كما تسري في الهشيم..لقد احرق بناره ما تعلموه من أساليب خاطئة ليبدأ معهم من الصفر.

   راح يصحبهم كل جمعة على دراجات هوائية إلى أماكن بعيدة عن خانقين..يوزعهم هنا وهناك ليتأملوا الطبيعة وينقلوا بعض جمالها على الـ(كونفاس)..وكان في كل رحلة يتوقف في مكان أكثر قرباً من المدينة حتى توقف بهم أخيراً داخلها.

   عندما لمس مدير المدرسة نجاح أساليب الونداوي مع تلامذته سمح له بالانتقال إلى قاعة أوسع وافضل من قاعة الرسم الصغيرة البائسة،وسلمه نصف المخصصات السنوية لمادة التربية الفنية والبالغة آنذاك ثلاثون ديناراً..شد رحاله إلى بغداد،اشترى ما يكفي من مواد الرسم،وضعها أمامهم وأمر أن يأخذ كل منهم ما يحتاجه منها..لقد عمل الونداوي بدأب وحرص شديدين..أراد أن يرفد الحركة الفنية بطاقات جديدة..أن يمنح للوطن ما يحتاجه من الكفاءات الفنية وأن يوفي لديالى دَينها عليه. ضاقت به(خانقين)أحس بجفافه فيها وراح يتطلع إلى مدينة اكبر منها..إلى فضاء أوسع من فضائها والى ينبوع ثر لا يعرف الجفاف،إلا أنّ رغبته تراجعت أمام قوة القرار الإداري وتعنته،حتى زاره ذات يوم،في خانقين،الفنان العراقي الراحل حقي الشبلي،تعرف على رغبته تلك التي لم يستطع الشبلي تحقيقها عن طريق الإداريين في خانقين وإذ استقل السيارة التي ستقلّه إلى بغداد قال للونداوي(اعتبر نفسك منقولاً)،كان الشبلي متفهماً رغبات الفنان..عارفاً بحاجته وتطلعه وجموحه نحو ينابيع الفن ، فعمل جاهداً ليحقق للونداوي رغبته..بعد أربعة أيام من مغادرة الشبلي لخانقين صدر أمر النقل،فانتقل الونداوي إلى بعقوبة ليبدأ فيها مرحلة جديدة من مراحله الفنية وليتحول من مرحلة الإعداد إلى مرحلة الإنتاج.

   في بعقوبة التقى بالفنان خضير الشكرجي والفنان ناظم الجبوري والفنان شنيار عبدالله وطرح عليهم فكرة إقامة معرض جماعي..لم يوافقوا أول الأمر متذرعين بغياب الجمهور وعدم مجيئه إلى معرضهم ثم أقنعهم الونداوي بفكرة "إنّ مَن لا يأتي إلينا نحن نذهب إليهفكان أن أقامت هذه المجموعة من الفنانين معرضاً جماعياً عرض في الهواء الطلق على الجدار المقابل للمكتبة المركزية في بعقوبة وشاهد المعرض عدد كبير من الناس على مختلف مشاربهم ومستوياتهم.وعمل الشيء نفسه عندما كان محاضراً في اتحاد الشباب إذ تمكن من إقامة معرض لهم في الهواء الطلق على سياج نهر خريسان.

   عندما ازداد عدد الفنانين في بعقوبة وصار لهم حضورهم المتميز في الواقع الثقافي للمحافظة فكّر الونداوي بفتح فرع لنقابة الفنانين فشدّ الرحال إلى بغداد وقدّم طلباً وتعهد باشتراك ما لا يقل عن عشرين فناناً،وإذ تحققت رغبته قرر الفنانون بالإجماع إناطة مسؤولية رئاستها إلى الأستاذ الونداوي الذي لم يمر وقت طويل على رئاسته لها حتى تخلى عن رئاستها لأسباب مازال يحتفظ بها لنفسه ، وليتفرغ للإبداع فقط ، فساهم في معرض جريدة الثورة ومعرض الحزب الأول وكل المعارض التي أقامتها الجمعية والنقابة،وقتذاك.

   كانت لوحاته الزيتية مميزة بمقاسها الثابت(متر مربع واحد) وبألوانها الترابية المظللة بالأخضر وتدرجاته اللونية،ويفلسف الونداوي هذا بحبه للأرض والتصاقه بها،فالمتر،عنده،وحدة قياس ترتبط بالأرض وكذلك الألوان الترابية والخضراء.

   وفي عام 1997 أقام معرضه الشخصي الأول على قاعة نقابة المعلمين في المنصور وافتتح من قبل الأستاذ طه ياسين رمضان،وامتاز بتخصصه البحت بالألوان المائية وتلك حالة جديدة ونادرة وسابقة تحسب للونداوي ولتاريخه الفني الثر في محافظة ديالى وبقية المحافظات على حد سواء.

   عام 1988 وإثر نجاح معرضه الأول أقام معرضه الشخصي الثاني وعرض فيه ثلاثين لوحة مائية أيضاً،مؤكداً من خلالها على سيطرته الهائلة على اللون وتطوره في التكنيك. وهو يقف الآن على قدم المساواة مع رسامي الماء العراقيين أمثال ناظم الجبوري ومنير العبيدي وعبدالأمير علوان. وقد حظي معرضه الثاني باهتمام كبير من لدن الصحافة والتلفاز العراقي إذ أجريت معه عدد من اللقاءات التي وضّح فيها فلسفته في اللون ورؤياه الفنية للحياة.

   إنّ شفافية حياة الونداوي الداخلية فرضت عليه،كانعكاس لها،استخدام الألوان المائية،فهو يريد من هذه الشفافية أن تكون في مواجهة مستمرة للألوان الداكنة..يريد أن يلغي قتامة الحياة وظلامها وثقلها الكابوسي بشفافية الفرح والسعادة،فهو باحث دائم عن المضيء في حياة الإنسان والمبهج في واقعه ليكونا جنباً إلى جنب ضد الدكنة والاكتئاب. من هذه المنطلقات والموجهات صار الونداوي يعمل بدأب في سبيل تهيئة معرضه الثالث الذي سيخصصه للّوحات المائية أيضاً.

   بقي أن نقول أنّ الونداوي،عبد الوهاب عبد الرزاق خليل،تولّد قضاء الخالص 1934 ،فنان عاشق لفنه،مخلص لفرشاته،متفائل في حياته،متواضع،سَمِحْ،شفاف كقطرة ماء نقي،طَموح لا يحد طموحه حد،سريع الغضب،سريع الرضا،حلو الطلعة بالرغم من غضون وجهه وبياض شعره المسترسل بخفر وخفة وجمال.                        

 

4. عبد علي مجيد زنكنه

                             

   ولد الفنان عبد علي مجيد زنكنة في بعقوبة عام 1945. أكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها وتخرج في معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1968.

   اقتحمت عزلته فطالعني بملامحه الهادئة العميقة كالبحر..والحزينة كليالي الشتاء..نظراته التي تنغلق عليها جدران مشغله الضيق الخانق الصغير تنطلق سارحة في عوالمه القصية متحررة من محبسها الضيق الخانق ، وجامحة نحو آفاق مفتوحة على فضاءات لا يحدها حد.

   عبد علي مجيد..موهبة أعلنت عن نفسها منذ وقت مبكر..منذ مرحلة الدراسة الابتدائية..ومنذ فوزه بالجوائز التقديرية في معارض النشاط المدرسي..وهو من القلائل الذين أقاموا اكثر من معرض وهم ما يزالون طلاباً في معهد الفنون الجميلة..ففي عام 1967 أقام معرضه الشخصي التخطيطي الأول وفي عام 1968 ،وهو عام تخرجه في المعهد أقام معرضه الشخصي الثاني..وبعد عامين من تخرجه وتعيينه في جلولاء أقام معرضه الشخصي الثالث..وفي بداية حياته الفنية تأثر بأستاذه الفنان الكبير إسماعيل الشيخلي والفنان الكبير فائق حسن وانضوى كغيره تحت خيمة الانطباعيين:رينوار، فان كوخ،غوغان،مانيه،ماتيس.

   شغلته المواضيع السياسية فرسم عدداً من اللوحات الزيتية التي تؤرخ نضال الشعب العراقي ضد الظلم والعسف والجبروت كلوحته الزيتية(السجين)ثم تحول بعد ذلك إلى رسم الحياة الاجتماعية بمحلاتها وأزقتها وشناشيلها غلب عليهن جميعاً طابع الحزن الذي أراده عبد علي مجيد كانعكاس لحزن العراقي المتأصل والمتجدد في أعماقه السحيقة.

   عام 1976 اشترك في المعرض الذي أقامته(جماعة تموز)وساهم فيه الفنانون: خضير الشكرجي،وجودت حسيب،وحسن فليح،وعبد الحليم رمضان،وجاسم مصطفى،وفيصل شرموخ وجاسم الزبيدي،وكان الأخير مصورا فوتوغرافياً مبدعاً شهدت له الحركة الفنية في ديالى وبغداد وعدد من العواصم العربية والأجنبية معارض كان لها صدىً واسعاً وكبيراً في الأوساط الفنية والثقافية. بعد انتهاء أيام المعرض في بعقوبة قررت(الجماعة) نقله إلى الكويت.وعلى الرغم من كل هذه النشاطات لم يتوقف نشاط عبد علي مجيد عند حد معين فقد اشترك مع زميله الفنان علي عبد الرضا في إقامة معرضهما التخطيطي المشترك على قاعـة المكتبة العامة في بعقوبة ثم أعقبه بمعرض شخصي للتخطيطات،أيضاً،على نقابة المعلمين. هذا فضلا عن مساهماته في تصميم ديكورات بعض الأعمال المسرحية التي قدمتها نقابة الفنانين في بعقوبة.

   إنّ عبد علي مجيد له حصيلة كبيرة من المشاركات والمساهمات الفنية وهو يرسم بالزيت والجاركول والألوان المائية والرصاص ولا يحتفظ بلوحاته لنفسه بل يجود بها بطريقة مدهشة،فأنا لم أتوقع،أبداً،أن يقدم لي ثلاث تخطيطات رائعة كهدية لمجرد أنّ نظري وقع على تلك التخطيطات وهذا ما لم آلفه عند اغلب الفنانين وخاصة الأصدقاء منهم.

 

5. منير العبيدي

     

   خريف(بهرز) كربيعها أخاذ بجماله زاه بألوانه باهر بتدرجات الأصفر  والأحمر والبرتقالي. كل شجرة،فيه،ترتدي لونها المميز.عري (النفضيات) يشي برشاقة سيقانها ويتألق الأخضر الدائم بالأصفر الآيل للذبول.سواقٍ هنا وأخرى هناك تشق طريقها،من خلال تلك الباحة او تلك الدار،بمياهها الرقراقة المتلألئة تحت ضوء السماء،نحو جنة البساتين.

خصر بهرز النحيل تطوقه ذراع لديالى وأخرى لخريسان تشدانه إلى الحياة بقوة ولذة وعذوبة وعاطفة أبدية واشتهاء.

بهرز مهرجان الطبيعة الدائم ومعرض الألوان الجامحة في تضادها نحو ذروة الانسجام..بهرز عرس الفرح اللوني..كرنفال الماء والخضراء والعذارى،ورحم البساتين الذي انجب الفنانين والأدباء والشعراء.

في تلك الطبيعة البهرزية،ما بين الضلال الوارفة والنخيل السامق والتوت والرمان،ولد العبيدي عام 1949 من عائلة كل أبنائها يمارسون الرسم كطقس يومي يعيدون به اكتشاف الطبيعة وسرها الغامض.

كان العبيدي منذ وقت مبكر من طفولته يتأمل جمال اللون في حقول تمتد نحو افق الله.يتطلع الى بيوت قريته بعيون بهرتها زحمة الاكتشافات.

يقول العبيدي عن تلك المرحلة:

"كنت أتطلع من سطح طفولتي الى بيوت قريتي ..كانت الشمس ترسم خيوطاً فضية متعرجة تتوج حواف الجدران،مقرونة بتعامدات جذوع النخيل وأشجار التوت والبرتقال والرمانوكان الرجال والنساء والأطفال يتدفقون إلى الطرقات بكل ألوان قوس قزح منذ الصباح الباكر قاصدين الحقول والبساتين والمدارس..كان عرس اللون أمام بصري"(9)

كان يرسم على الأرض الترابية بسبابته البريئة أفكاراً بريئة. وعلى ضفاف ديالى على طينه الطري كان يرسم بعصا مدببة قبل ان يتعلم الرسم على الورق ،الذي لم يكن متوفراً،بشكل دائم،آنذاك.

قبل بلوغه الخامسة من عمره كان شقيقه(نذير)يصطحبه إلى مدرسة بهرز الابتدائية حيث علب الألوان المائية متوفرة ومبذولة لكل طالب. وكان معلم الرسم آنذاك في تلك المدرسة يمنح طلابه بين فينة وأخرى فرصة تجربة الرسم على أوراق الصحف المطبوعة بكثافة لونية برزت من خلالها قدراتهم على التشكيل. ومع أن منيراً كان أصغرهم سناً إلا انه اثبت لهم جميعاً انه الأكفأ والأكثر موهبة وأن إنجازه،قياساً بعمره،إنجاز متميز.

هذا الطفل الموهوب. الرسام الصغير تراه واثقاً وهو يبدي إعجابه بقطعة القماش التي رسم عليها ديكور مسرحية (الحظ العاثر)(10)

لقد جرب منير العبيدي قبل سن الدراسة الرسم بالألوان المائية. وعندما دخل المدرسة (المحمدية) توفرت له فرصة الرسم على أوراق خاصة بالباستيل. كان ذكي الاختيار فهو يرسم على الورق المعتم منظراً ليلياً وعلى الورق البرتقالي يرسم لحظات الغروب منعكساً على ماء ديالى الهادئ. كان لدخوله المدرسة (المحمدية) أثراً بالغاً على مسيرته الفنية فها هو يشارك في العام الدراسي 1958-1959 في المعرض الذي أقيم على مدرسة بعقوبة الأولى وافتتحه متصرف اللواء،انذاك،السيد عادل جلال .لقد تركت لوحة المزهرية التي رسمها نعمان حسون،وهو معلم من بعقوبة،أثراً كبيراً على انطباعاته الفنية.كما أثارت دهشته لوحة الانفجار لزميل دراسته(جميل الربيعي) والتي رسمها بألوان الماء لتمثل القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما"كان جمال ألوان الانفجار يجعل المرء يتمنى لو كان في قلب الانفجار الرهيب. لقد رسمت هذه اللوحة برومانسية وفرح لا يتناسب وضخامة هذه الفاجعة" والى جانب هاتين اللوحتين عرض منير العبيدي عدداً كبيراً من اللوحات كأني به يريد أن يشيد له ركناً بالمعرض أو معرضاً مستقلاً سابقاً للأوان. تلك حالة فرضتها عليه غزارة إنتاجه الفني المبكر. تعاقبت المعارض في مختلف مدارس بعقوبة وكانت كرنفالاً زاخراً بمختلف أشكال النشاط الفني: الرسم والنحت والخياطة والحياكة والتصوير والمصنوعات اليدوية والشعبية. وكانت اللجنة التي تحكم بين الفنانين الصغار تتألف من فنانين كبار يرأسهم فنان قدير ورائد هو الأستاذ عطا صبري(11). في تلك المرحلة من عمر العبيدي لم يدرسّه معلم أو مدرس تخرج في أي معهد فني باستثناء المرحوم(صبيح العزاوي) ومن بعده لطفي نجم الدين اللذين منحاه فائدة محدودة.

يقول العبيدي:

       "كان يحز في نفسي أنني كنت خلال دراستي الابتدائية والإعدادية ارسم احسن من معلمي أو مدرسي فلم يكن ثمة ما يعلمونني إياه"(12)

عام 1966 اكمل دراسته الثانوية في بعقوبة مخلفاً وراءه مساهمات سنوية في كل المعارض التي أقامها النشاط المدرسي وقتذاك وكوفئ على تفوقه عدة مرات من قبل مديرية تربية ديالى.ولما كان الرسم أحوج ما يكون إلى أستاذ ماهر يعرف كيف يكشف لطلابه أسرار الفن لذا كان على العبيدي ان ينتظر فترة طويلة امتدت حتى عام 1969 حين التقى،وهو ما يزال طالباً في كلية الآداب /قسم التاريخ،بالأستاذ الفنان الراحل خالد الجادر(13) وعرض عليه بعض أعماله الزيتية التي كان يحتفظ بها تطلع الى واحدة منها بإمعان وقال: "نعم ان بإمكانك أن تكون رساماً"

لقد غير ذلك اللقاء مجرى حياة العبيدي وقلبها رأساً على عقب. يقول العبيدي عن ذلك اللقاء:

"حظيت بفرصة لا تعوض. كانت من قصرها وسطوعها أشبه بومضة ضوء خاطفة غيرت مسار حياتي .. لقد تعلمت ، حينها، في أقل من سنة واحدة ما كنت سأحتاجه طوال حياتي كلها"(14)

لقد كان لذلك اللقاء أثراً كبيراً في دفع العبيدي إلى خضم الإبداع فحظي،بعده،بعضوية جماعة الآداب للفن التشكيلي وصار عضواً في المرسم الحر الذي يشرف عليه، بشكل مباشر،الفنان الجادر. وفي العام نفسه أقامت تلك الجماعة على قاعة كليتهم معرضها الأول الذي نال فيه العبيدي على شرف المساهمة الفاعلة.

لقد درس منير التاريخ ونال شهادة البكالوريوس فيه ولكنه انصرف عنه إلى الفن.

وبحدود عام 1985 كان قد تفرغ للعمل الفني بشكل كامل فساهم في أغلب المعارض الجماعية سواء منها التي أقيمت على قاعات أهلية أو على قاعات حكومية حتى جاء عام 1989 ليعلن بدء رحلته كفنان متميز حيث أقيم معرضه الشخصي الأول على قاعة الرشيد في بغداد ولفت انتباه الفنانين والمثقفين ممن لم يسبق لهم التعرف عليه وعلى فنه.

في هذا المعرض ثمة لوحات اشتغل منير فيها على الدمج الواضح بين الطبيعة والواقع ليعتم على خصوصية المكان وتحديداته وليمنحه صفة تمويهية خارج الطبيعة وبعيداً عن الواقع ففي لوحة(الصعود إلى نقطة الضوء) يمارس العبيدي نوعا من التصوف في الصعود إلى حيث النقاء والصفاء والحرية المطلقة و المنطلقة من نقطة ضوء داخل روحه التواقة الهائمة في فضاء لا يحده هو الفضاء الداخلي والروحي للفنان منير العبيدي وفي هذا وعنه كتب الفنان وائل المرعب عن (الصعود إلى نقطة الضوء) مؤكداً أن

"الأجواء الخضراء المعتمة..تتوسطها دائرة ضوء،وثمة سلم يتسامى إلى   الأعالي ويتلاشى في قبة السماء.أضاف الرسام بقصد واضح صخوراً ذات ألوان زرقاء،قاتمة إلى أرضية اللوحة لكي يحول دون أي تفسير واقعي مما أكد جو الوحدة والغرابة. ان السر في التطلع إلى الضوء الإلهي يمكن أن يُفسر بطريقة صوفية تمكن من استشراف روح الفنان الهائمة المتملصة من القيود والتواقة إلى النقاء الروحي المطلق"(15)

وفي هذا تأكيد على أن العبيدي ليس رساماً انطباعياً كما يعتقد البعض وان اسلوبه مختلف عنهم، تماماً،فهو رسام الطبيعة وسارق سرها الأزلي .انه يأخذ من الطبيعة ثم يضيف عليها من عندياته لينشئ منها موضوع اللوحة على وفق ما يريد وهذا واضح في لوحتي (البرعم المستعصي) و(ليل المدينة) .

   عام 1990 ساهم العبيدي في إعادة تشكيل جماعة "أصدقاء الفن" بمبادرة من الفنان الراحل موفق الخطيب والعمل على تأسيس قاعة عرض خاصة بمعارض(الجماعة)التي اشترك العبيدي فيها جميعاً. وفي عام 1991 ساهم في معرض (تأملات عراقية) مع عشر من الفنانات والفنانين العراقيين(16)والذي أقيم على قاعة النصر في بغداد وضم تجارب فنية مختلفة يوحدها قاسم مشترك واحد هو الطبيعة وجماليات المكان. ومنذ هذه التأملات وحتى عام 1993 كان العبيدي يعد العدة لإقامة معرضه الشخصي الثاني في برلين بالتعاون مع وكالة(عالم موحد للبحث) [(O-W-M)]. ومع إنني لم استطع مشاهدة المعرض،بشكل مباشر،إلا أنني استطعت مشاهدة أغلب لوحاته قبل مغادرتها العراق وتأكد لي،من خلال تلك المشاهدة،ان منيراً ينتقي أجواءه بشكل مدروس كي تتلاءم مع هواجس المغتربين وحنينهم. فهو يزرع في نفس المتلقي الرغبة في الحوار والدنو من عالم اللوحة الذي هو في الأصل عالمه ما قبل الغربة مثلما يزرع في نفسه الفرح والتأمل والاحتفاء بالطبيعة

"إن العين الأخرى ، أو العين الغربية قد استجابت بشكل ما إلى عمق الهم الفني الذي    حقق لهذا الفنان انتقالية جغرافية بين (بعقوبة) مدينته الأثيرة والى حيث اضواء المعارض والتجارب المتقدمة في عدة مدن عربية وغربية"(17).

   إنّ منيراً وهو يفعل هذا وذاك إنما يعتمد،بالإضافة إلى موهبته الكبيرة،على ثقافته وسعة اطلاعه وعلى خزينه الذاكراتي الهائل من التجارب كتبت هدى حمودة تقول:

"إن موهبة الفنان منير العبيدي الفطرية في فن الرسم تقترن بانفعالاته الشفافة ، وخلفيته الثقافية في بوتقة واحدة من الرؤيا المستقبلية والقدرة على إعطاء المتلقي كمية كبيرة من الفرح و التأمل سواء من خلال ألوانه العذبة التي تنساب في اللوحة مجنحة بخيال واسع أو من خلال مرآته المفتوحة دائماً إلى أفق ما أمام الإنسان"(18)  

   إنّ منير العبيدي المنشغل، ابداً، بالفن التشكيلي. الجالس،طوال ساعات النهار،في مشغله أمام ركيزة الرسم،يتحايل،كثيراً،على الوقت ويقتص منه ردحاً للقراءة والكتابة والترجمة ونذكر هنا على سبيل المثال ترجمته لموضوع(ارك ثيشل يرسم الحياة الخفية لسكان المدن)عن مجلة (تايم) الأمريكية الذي نشره في صحيفة القادسية. وكتب عن الميثولوجيا في مجلة الأفق القبرصية وعن (الفن التشكيلي ومشاكل التقييم)في صحيفة الجمهورية وعرض كتاب(الانطباعية)لجان ليماري في صحيفة القادسية وعن(الحداثة والموقف من الشعر العربي القديم) و(المعاناة الفنية أمام الحداثة و الموروث)وعن رواية(لو دامت الأفياء) لناصرة السعدون.

   إنّ نظرة فاحصة لهذا التنوع في الكتابة إنما يدل على ان منير العبيدي قارئ نهم ومثقف متأمل وموسوعي شامل وباختصار شديد جداً فأنه على قدر كبير من الوعي بمجريات عصره الراهن.

   عام 1994 أقام معرضه الشخصي الثالث على قاعة الاورفه لي في بغداد وضم 51 لوحة منها 12 لوحة زيتية و 39 لوحة مائية. واستند منير في هذه المجموعة على محورين أساسيين هما الفردوس الأرضي و الفردوس اللاارضي. في الأول اخذ من الطبيعة وأعاد تشكيله على اللوحة أي ان موضوعة الرسم يمكن أن نراها في الواقع ولكنها مع ذلك أخذت في اللوحة شكلاً مختلفاً لأنه أضاف عليها من طبيعته الخاصة لتبدو اكثر حلميه مما هي عليه في الواقع وفي الثاني اخذ من طبيعته الخاصة ومزجها بحلمه كفنان فانتج لوحات لا يمكن للمرء ان يراها في الطبيعة كأني به أراد أن ينقل لنا عن طريق حدسه المغامر صورة الأرض ما قبل البشر من خلال تشابك النباتات بوحشية وامتداد طولي وألوان ذات مسحة غرائبية موحية. هنا لعب اللون دوراً استثنائياًمن حيث الرمز والتأويل والإيحاء و الإيصال يقول الأستاذ حسين الحسيني في معرض دراسته لمعرض العبيدي الثالث:

"اللون كما نعرف وكما ينبغي ان يكون عليه عند كل رسام .. عالم خاص يوازي أو حتى يشكل عالم اللوحة وبعمق رموزها، بل ويكون جزءا من تلك الرموز ، وهو بهذا المعنى ليس تزينياً كما يتوهم البعض ..من هذا المنطق نرى منير العبيدي يولي اللون عناية كبيرة ، فهو يشكل رمزاً وشفرة ودعوة للاكتشاف حيث نلاحظ على الرغم من أعماله التي تتمحور حول الطبيعة فأنه لا يلجأ إلى الألوان الأرضية (مجموعة الألوان البيئية) إلا باستثناءات نادرة ويستعمل بدل ذلك اللون الليلي أو البنفسجي ، هذا اللون المعروف بخطورته ، لأن وجوده في الطبيعة يكاد يكون معدوماً ولذا جاء استعماله في هذا المعرض استعمالاً تأويلياً أو رمزياً".

   عام 1997 وعلى قاعة حمورابي في العاصمة الأردنية عمان أقام معرضه الشخصي الرابع وقدم فيه عدداً من اللوحات المائية و الزيتية أغنت تجاربه السابقة وتجلت فيها جماليات اللون وشفافية وسحر المكان وصفاء الذهن وسطوع الضوء الذي يخلف ظلالات ذات مسحة شرقية . كتب عن المعرض في صحيفة الرأي الأردنية حسين دعه مؤكداً على أنّ:

"لوحات العبيدي المعروضة في (جاليري) حمورابي تحمل المبادرة إلى التخيلات الساحرة التي يراها الفنان العربي بعينه التي تربت على نفس الأرض وعاشت مع عبق الأشجار وبرودة مياه النهر وإشراقة الشمس وحياة الفلاحين و الناس وغبار الطرق ولزوجة طين الحارات الريفية و القروية ..كل هذا صقل تجربة الفنان..وجعله يعيش لكي يعزز مكانته ..وفهمه الصحيح لدوره في عالم الثقافة المعاصرة".

   وفي تونس عام 1998 عرض العبيدي تسع لوحات رسم في العراق والأخريات في تونس ولعدم اطلاعي على المعرض أورد هنا بعض ما كتبه مراسل جريدة الثورة في مقاله الموسوم(مشاهد من تونس تزدهر بشمس عراقية)

"استطاع الفنان العبيدي في لوحاته المستوحاة من طبيعة تونس ان يفصح عن مهارة إسلوبية عالية في لوحة توحد بين شمس العراق ، وشمس تونس ، وبمعنى آخر تقدم المشهد الطبيعي التونسي بنظرة خاصة تسلط عليه أشعة شمس عراقية تجعل الزقاق التونسي متوهجاً إلى آخره ويضج بالحياة ..ويجعلك في المشهد الواحد تشعر بامتزاج صورة عراقية تونسية من خلال الهندسة المعمارية لمشاهد البناء وأزياء الأشخاص لكنها جميعاً تزدهر بألوان تحملك إلى بغداد مرة والى تونس مرة أخرى..لقد وقف زوار المعرض أمام لوحات العبيدي كثيراً. وحين سألوا عنه قيل لهم انه في عراقه المحاصر هناك يرمي عينيه إلى ناحية بغداد او ديالى لكي يستوحي منها لوحة جديدة".

   ومثلما شاهد زوار صالة (القرماسي) في تونس لوحات العبيدي التي زاوجت بين الطبيعتين التونسية و العراقية شاهد زوار صالة (نصير شورى) في دمشق 1999 معرضاً مشتركاً بين العبيدي واكرم شكري وإسماعيل الشخيلي وآخرين.

إن نتاج العبيدي زاخر بالجديد فهو حريص على ان يقدم في معارضه الجديدة أفكاراً جديدة تعزز رؤياه للطبيعة و الكون وان أعماله

"تكشف عن إنسان دائم البحث ينتظر ويتأمل شيئاً قد لا يفقه ماهيته إلا انه يبحث عنه.. نلمس هذا في اكثر من لوحة حتى لتعتقد انه يسير وراء حلم يحاول الإمساك به"(19).

وما يميزه كفنان حالم انه كلما امسك حلماً كلما انطلق للإمساك بحلم آخر وآخر و آخر.

*  *  *  *  *

استنتاجات البحث:

       نستنتج مما تقدم:

إنّ الحركة التشكيلية في محافظة ديالى لم تحقق إنجازها المهم إلا في فن الرسم لتوفر البيئة الملائمة لنموه وتطوره.

إنّ فن الرسم ابتدأ نشاطه بالظهور،أول مرة،مع بداية الثلاثينات من القرن الماضي.

إنّ معلمي ومدرسي(الفنية)هم أول مَن حمل لواء الفن التشكيلي في المحافظة.

إنّ الحركة التشكيلية في ديالى تأثرت بكبار الفنانين العراقيين أمثال جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وخالد الرحال وعطا صبري،وإنّ جواداً بعد عودته من فرنسا،ومروره في بعقوبة أراد أن يؤسس فيها جماعة فنية على غرار ما شاهده في إحدى القرى الفرنسية. وقد أثّر هذا التوجه في فناني المحافظة على الرغم من عدم تحققه وقتذاك ، فشكلوا أولى تجمعاتهم الفنية كجماعة الشباب وجماعة ديالى وجماعة تموزالخ..في مرحلة السبعينات.

إنّ فناني المحافظة استطاعوا صقل مواهبهم عن طريق الدراسة في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد والبعثات الدراسية خارج القطر مما وسّع رقعة الرسم في ديالى ودفع عجلة تطورها نحو الأمام.

إنّ توجه الفنانين للقيام بالمعارض الشخصية والمشتركة والجماعية ونقل بعض المعارض إلى العاصمة وإلى بقية محافظات العراق ترك أثراً واضحاً منح فن الرسم في المحافظة،سمات ديالية خالصة.

إنّ مرحلة السبعينات كانت من أغنى مراحل فن الرسم إذ قدّم فيها أغلب الفنانين أجمل ما أبدعوه من لوحات زيتية ومائية وتخطيط،وشاركوا في أغلب النشاطات الفنية داخل المحافظة وخارجها ورسموا بمختلف الاتجاهات والأساليب الفنية وظهرت تأثيرات المذاهب المختلفة في لوحاتهم كالمذهب الطبيعي والانطباعي والسوريالي والتكعيبي والحديث. وينبغي الإشارة هنا إلى ما توصل إليه الفنان عزيز الحُسُك من ابتكار أساليب جديدة في (التنقيط المعاصر) و (النثر المعاصر).

 

إشارات وإحالات

(1)            هو الاسم القديم لمديرية تربية ديالى.

(2)            راجع كتاب (الفن العراقي المعاصر)،السلسلة الفنية 15 ،وزارة الإعلام،بغداد،مديرية الثقافة العامة.

(3)            راجع كتاب(جواد سليم) للدكتور عباس الصراف.

(4)    يقول الفنان شاكر حسن آل سعيد في مذكراته التي تشرها في مجلة الأقلام،العدد 6 لسنة 1988(كانت داري في بعقوبة تقع في الطرف الشمالي للمدينة..وهي دار بسيطة اقتنيت فيها وقتئذ عندليباً وبعض الدجاج لأستطيع رسمها) ص22. ويقول أيضاً"كانت الطريق المؤدية إلى داري من ضاحية المدينة الهادئة قفراء،تحفّها البساتين وأرضها مبلطة بالقار" ص23 .ويقول في موضع آخر"على الرغم من السلام الذي يحوطني في بعقوبة لا أنفك أشعر بصراع دموي يدور في داخلي" ص25.

(5)    راجع مقالنا الموسوم(ناظم الجبوري..الإبحار على موجة الانطباعية) في صحيفة (المصور العربي)، 17/1/1998.

(6)            عزبز الحسك والتنقيط المعاصر،جريدة العراق، 1/3/2001.

(7)            عزيز الحسك والتنقيط المعاصر،جريدة العرب اللندنية، 3/1/2002.

(8)            الحسك في معرضه السادس،جريدة العراق، 22/4/1999 .

(9)            جريدة الرأي الأردنية،العدد 9769 في 6/6/1997.

(10)  مسرحية شعرية كتبها وأخرجها معلم التربية الفنية في ابتدائية بهرز عبدالرحمن الناصري وهو والد الفنانة سناء عبد الرحمن.

(11)  عطا صبري، 1913 ،درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في روما         (1937-1940) حصل على دبلوم فن من جامعة لندن عام 1950 ،ساهم في تأسيس جمعية أصدقاء الفن عام 1940 وشارك في معارضها عام 1941 و 1943 و 1946. شارك في معرض ابن سينا 1952 في بغداد وشارك مع الفنان الإنكليزي(روس توماس) في إقامة معرض مشترك عام 1955 .أسس معهد الحِرَف الشعبية ببغداد.

(12)      جريدة الرأي الأردنية، 25/5/1997 .

(13)  خالد الجادر،خريج كلية الحقوق ومعهد الفنون الجميلة العراق. دكتوراه من باريس. مؤسس أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وأقام معارض شخصية في بغداد عام 1955 و 1957 وفي برلين 1959 وفي براغ وبخارست عام 1960 والدنمارك عام 1965 والسعودية عام 1968.

(14)  جريدة الرأي الأردنية، 25/5/1997 ،اقتبست الجريدة هذا الرأي من كلمة بثها الفنان العبيدي في(الفولدر) الخاص بالمعرض وكذلك فعل عادل كامل في صحيفة العراق.

(15)      جريدة الجمهورية،العدد 3125 في 21/3/1989.

(16)  (تأملات عراقية)اشترك فيه كل من:حياة جميل الحافظ،منير العبيدي،ناظم الجبوري،بهيجة الحكيم،صاحب أحمد،إدهام بدر،عبد الأمير علوان،منى شمس الدين،عشتار جميل حمودي.

(17)      جريدة الثورة،العدد 8438 في 28/3/1994.

(18)      مجلة الأفق،العدد 261 ،نيقوسيا،هدى حمودة.

(19)      جريدة الجمهورية،العدد 3125 ،في 21/3/1989.