مسرحية

ليلـــة انفـــلاق الـــزمن

 

شخوص المسرحية‏

1- صباح 45 سنة             2- الأنباري 70 سنة‏

3- منير 48 سنة              4- العبيدي 73 سنة‏

5- محي 57 سنة                    6- زنكَنه 82 سنة‏

7- لميعه الناشئ‏

8- آزاد محي الدين‏

9- عادل كوركيس‏

10- مجيد مبارك‏

رجل1.. رجل2.. رجل3.. رجل4.. رجل5..‏

مذيع أو عريف حفل.. شرطي‏

 

تدور أحداث هذه المسرحية في مدينة بعقوبه عام 2022 .‏

 

[ سماء مليئة بالنجوم.. تلتمع بعض الشهب بين لحظة وأخرى.. يستطيع جمهور النظارة رؤية الحشائش والزهور البرية رغم ظلام الليل .. على جانب المسرح الأيسر، أعلى اليسار، نصبت ركيزة لوحة رسم. وبالقرب منها، إلى وسط الوسط قليلاً، يرقد ثلاثة أشخاص.. موسيقى غرائبية وصفير قوي حاد يعلو شيئاً فشيئاً طاغياً على صوت الموسيقى.. ضوء خاطف ، يشبه إلى حد ما ، مذنباً سريعاً ، يمر على الخلفية (السايك) قاطعاً إياها من الأعلى إلى الأسفل .. تتكرر صورة الضوء مكبرة مرتين أو ثلاثاً فيبدو الضوء لجمهور النظارة كما لو أنه العادم الخلفي لمركبة فضائية .. يصل إلى أسفل (السايك) يرتطم بالأرض.. يرتج المسرح ، برهة ، ثم يستقر.. موسيقى رعب .. يظهر رجل بملابس تشبه ملابس رجال الفضاء.. يتقدم نحو ركيزة الرسم .. يقف إلى جانبها .. يبدو كما لو أنه يتأملها فعلاً .. يتركها .. يتقدم نحو الراقدين الثلاثة .. ينطق ، بصوت يشبه صوت الروبوت ، بضع جمل غير مفهومة وإذ ينتهي يمسك ذراعي الأول ويجره إلى خارج المسرح .. يعود.. الصوت الروبوتي يستمر مع تقدمه نحو وسط الوسط .. يمسك بذراعي الثاني ويسحبه إلى خارج المسرح .. يفعل الشيء نفسه مع الثالث .. تختلط الموسقى بصوت هدير محرك كبير.. يرتج المسرح ، برهة ، ونرى على الخلفية الضوء نفسه طائراً محلقاً بسرعة خاطفة صوب النقطة التي هبط منها .. تتكرر صورته مصغرة مرتين أو ثلاثاً حتى يختفي في سمت السماء .. تخفت الإضاءة تدريجيا ً.. يعم الظلام فترة وجيزة ثم يضاء المسرح إضاءة تدريجية أيضاً.. الأشخاص الثلاثة ما يزالون على رقدتهم وكأن شيئاً لم يحدث..]

صباح : (يجلس مستيقظاً، متثائباً) هـ... آه.. (يقطع تثاؤبه) عجباً.. كيف غلبني النعاس ؟ ترى كم من الوقت مضى وأنا مستغرق في النوم؟‏

منير : ( وهو ما يزال ممدداً.. يتثاءب) هـ.. آه.. من يدري.. أنا الآخر كنت نائماً وكأني رقدت ربع قرن .‏

صباح : ربع قرن !‏

محي : (وهو لا يزال ممدداً أيضاً) هـ.. آه.. ربما أكثر قليلاً.‏

صباح : وأكثر قليلاً ؟!.. إذن لا بد أننا وقعنا تحت سطوة مؤثرٍ ما.‏

منير : كالخمرة مثلاً ؟‏

صباح : لا.. لا.. يبدو لي أنه أقوى وأشد تأثيراً منها.. إنه كالنوم المغناطيسي لكنه ينطوي على إيحاءات غريبة تجعل الرؤية مشوشة .‏

منير : أي رؤية؟‏

صباح : رؤية ذلك الجسم الملتهب وهو يقترب من الأرض بسرعة هائلة...‏

منير :(مقاطعاً ومتسائلاً بسرعة) أهو الجسم الذي ارتطم بالأرض فاهتزت ومادت و...‏

صباح : (مكملاً بسرعة أيضاً) وسرعان ما اشرأب من داخله شبح بلا ملامح .‏

محي : (يجلس مبتسماً) كل الأشباح بلا ملامح .‏

صباح : أعني ليس شبحاً آدمياً أو حيوانياً.. أو.. (يتوقف).. لا أدري.. إنه شبح حسب.. شبح سلط علينا من يده (متداركاً) بل.. بل من تحت أظفاره أشعة زرقاء جعلتنا نرقد رقدة عميقة، شعرنا، خلالها كما لو أن أجسادنا تطير في فراغ كوني فسيح وبسرعة هائلة.‏

محي : يخيل إلي أن هذا هو ما رأيته أنا أيضاً..‏

منير : وأنا أيضاً.‏

صباح : (مستنتجاً) هذا يعني أننا، نحن الثلاثة، قد حلمنا.. أوتوهمنا.. أو رأينا ذلك الشيء ، فعلاً، في آن واحد.. وأن علينا أن نتأكد من كونه وهماً أو حلماً أو واقعاً.‏

منير : وما السبيل إلى ذلك ؟.. أعني كيف نثبت هذا أو ننفي ذاك.‏

محي : أعتقد أن غرائبيته وتوافقيته كفيلتان بإبعاده عن مسار الواقع وهذا يرجح كونه وهماً.. وهماً حسب‏

صباح : هذا إذا كان أحدنا قد توهم ذلك وحده.. أما وقد رأيناه نحن الثلاثة، في آن واحد فهذا يعني أن ما حدث كان واقعاً.. لا وهماً.. ولا حلماً..‏

محي : افترض أنه كان واقعاً.. ماذا يترتب علينا في ظرف واقع كهذا؟‏

صباح : أن نبحث عن أدلة مادية ملموسة .‏

محي : لا سبيل إلى ذلك ما دمنا قد نمنا متأثرين بتلك الأشعة الزرقاء.‏

صباح : ماذا؟ أقلت متأثرين بالأشعة الزرقاء؟‏

محي : نعم.‏

صباح : هل تعني أن للأشعة الزرقاء وجوداً حقيقياً؟‏

محي : سواء أكان لها أم لم يكن فإن بإمكان من استخدمها أن يؤثر فينا بطرق مختلفة.‏

صباح : ولكننا لم نتأثر بشيء.. فها نحن أولاء كما كنا وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق.‏

محي : وما أدراك.. قد نتأثر فيما بعد.‏

صباح : لا أعتقد.‏

محي : إذن، لنقل أن الأمر كله كان مجرد وهم حدث مصادفة...‏

منير : (مكملاً) وثمة مصادفات في الواقع أكثر غرابة من هذا.‏

صباح : صحيح.. ولكن أن تحدث تلك المصادفة معنا فهذا أمر غير قابل للتصديق.. لأننا، بعد أخذ كل شيء بنظر الاعتبار، لا نقتنع بهذه البساطة.‏

محي : حسن.. إذن اقترح أن نترك هذا الأمر لك لتبحث فيه بالطريقة التي تريد.. ولا أشك في أن فكرته بدأت تستأثر باهتمامك وربما تحولت على يديك إلى مسرحية من الخيال العلمي.‏

صباح : صحيح.. ولكن ليس قبل أن أتوصل إلى حقيقة ما حدث.‏

محي : ليكن.. لك ما تريد (ينظر إلى ساعته) ياه.. لقد تأخر الوقت كثيراً.. لنعد حالاً.. هيا.. هيا انهضا (يسير إلى إحدى الجهات يبحث عن الطريق.. يفاجأ باختفائها) أين الطريق!؟‏

صباح : (ناهضاً) ماذا تقصد بأين الطريق؟‏

محي : أقصد أن الطريق قد اختفت.‏

منير : (يقترب منها) ماذا !؟ هل اختفت حقاً؟‏

محي : ما أغرب ما يحدث الليلة .‏

صباح : انظرا إلى ما هو أكثر غرابة .. النباتات تغطي كل شبر هنا مع أنها لم تكن موجودة ساعة وصولنا.‏

منير : صحيح.. لم تكن النباتات بهذه الكثافة .. كيف نمت واستطالت بهذه السرعة العجيبة ؟!‏

محي : أكاد أجزم أن للنباتات علاقة بما حدث لنا ونحن نيام .‏

صباح : هل تعني أننا وقعنا تحت تأثيرها ؟‏

محي : بل إنها وقعت معنا تحت تأثير قوة غامضة .‏

صباح : لكن ما حدث لها مختلف عما حدث لنا.‏

محي : كيف ؟‏

صباح : ألا ترى أنها تأثرت بشكل مادي مباشر وملموس .. أعني نموها وكثافتها.. بينما لم يؤثر ذلك علينا إلا بما جعل الوهم والواقع يختلطان ، قليلاً، في أذهاننا.‏

منير : يبدو لي أن نمو النباتات، بهذه الطريقة ، مرتبط بالأشعة الزرقاء أيضاً (يتركهما متجهاً إلى لوحته).‏

صباح : لا أظن.. فالمجهول الذي رأيناه لم يسلط الأشعة الزرقاء على النباتات.. لقد سلطها علينا.. علينا مباشرة.‏

محي : إن تكن النباتات قد تأثرت بالأشعة ، فعلاً، فهذا يعني أننا رقدنا زمناً طويلاً.. طويلاً جداً.‏

صباح : ليس إلى هذا الحد .. ألا ترى أن الليلة لم تنقضِ بعد؟‏

محي : كيف تفسر هذا إذن.. إذا كانت النباتات لم تبلغ ، ساعة وصولنا ، سوى بضعة سنتيمترات .. ما الذي جعلها تبلغ كل هذا الطول وهذه الكثافة في ظرف ساعة واحدة أو ساعتين أو حتى ثلاث ساعات.‏

صباح : هل يعني هذا أننا نتوهم حدوث‏ الأشياء ؟.. و...‏

منير : (مقاطعاً) تعالا إلى هنا حالاً ( يقتربان منه وهو ما يزال محدقاً في اللوحة ) انظرا إلى لوحتي     ( ينظران.. يدققان النظر) هذا هو طول النباتات التي رسمتها قبلما تغرب الشمس بقليل .‏

صباح : (إلى محي) يبدو أن ما قلته عن نمو النباتات وطولها حقيقة واقعة لا وهم .. ولا حلم ( بتأكيد وهو يشير إلى اللوحة ) هذا هو طولها ساعة وصولنا فعلاً.. ولكننا مع ذلك لا نستطيع أخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار بسبب واحد هو أن ليلتنا لم تنقضِ بعد .‏

منير : انظرا إلى هذه الطريق النيسمية التي هنا (يشير إلى اللوحة) ألا يمكننا سلوكها..‏

محي : يمكننا ولكن أين هي الآن؟‏

منير : هناك (يشير إلى الجهة المقابلة. ينتقل إلى الجهة التي أشار إليها. يتوقف) يا إلهي لقد غطتها النباتات هي الأخرى.‏

صباح : (بمرارة) الله.. الله.. نحن الآن بلا طريق (إلى محي) ماذا سنفعل؟‏

محي : (بحسم) نسير.‏

صباح : نسير؟! نسير إلى أين؟‏

محي : إلى بعقوبه طبعاً.‏

صباح : هه.. هل جربتما السير فوق أرض مثل هذه.‏

منير : كلا ولكنني سأسير فوقها متحدياً عوقي.‏

صباح : وصليبك هذا (يشير إلى ركيزة الرسم) هل ستجره أم تحمله على كتفك من مكان إلى آخر؟‏

منير : بل سأتركه هنا حتى صباح الغد.‏

صباح : هذا أفضل.‏

منير : حسن هيا..‏

[ يسيرون.. تتحرك باتجاه معاكس لسيرهم على الشاشة صور المناطق التي يمرون بها.. يتوقفون أحياناً ويشيرون، باستغراب، أحياناً إلى اتجاه ما ثم يغذون السير ثانية .. يصلون المدينة .. تتصاعد إلى السماء ، منفجرة ومنتشرة ، بتشكيلات جميلة زاهية ، أضواء الكرنفال متزامنة مع أصوات الموسيقى .. نرى بعض المارة بملابس زاهية وألوان جذابة فرحين مرحين وهم يتوجهون إلى مركز الاحتفالات .. بعضهم متماسك بالأيدي يؤدي رقصة شعبية.. بعضهم يغني...]‏

 

محي : (بتعجب) عندما غادرنا بعقوبة في أول الليل ، لم يكن الناس مهيئين لهذه الضجة الباذخة.‏

منير : كيف استطاعوا تحضير كل هذا في بضع ساعات.‏

صباح : ما يدهشني أن بعقوبه قد تغيرت بسرعة لا تصدق حتى أكاد أشك أنني الآن فيها.. انظرا إلى هذه البنايات .. لم تكن مطلية بهذه الألوان في أول الليل فبأي سرعة تمَّ طلاؤها؟! وهذه الأضواء والكشافات واللافتات متى نصبت ومن نصبها.. نحتاج ليومين كاملين من العمل المضني لنكمل كل هذا.‏

محي : (معلقاً) وكل هذا من أجل من؟‏

صباح : هه (ممازحاً) ربما من أجلك أنت.‏

محي : من أنا حتى يقيموا الدنيا ويقعدوها من أجلي.‏

صباح : دعنا من تواضعك هذا يا أستاذ.‏

محي : (بتأنيب) صباح...‏

صباح : أعرف.. ولكن لن أخفي حقيقة كونك كاتباً مسرحياً كبيراً شهدت له المسارح عروضاً متميزة.. كاتباً نشر وطبع الكثير وما زال الكثير من مخطوطاته يثقل رفوف مكتبته بانتظار أن يرى النور يوماً ما.‏

محي : صباح..‏

صباح : أنت ثروة كبيرة يا أستاذ.. وهذه حقيقة يعرفها حتى هؤلاء (يشيرون إلى جهة غير محددة) أنسيت أنهم اتصلوا بك مرات ومرات طالبين موافقتك على إقامة كرنفال للمبدعين باسمك ورفضت؟.. أنسيت أنهم أرادوا الاحتفاء بك على هذه الطريقة الباذخة (يشير إلى مظاهر البذخ التي أمامه) ورفضت.‏

محي : لماذا؟‏

صباح : لأنهم أرادوا أن يتظاهروا ، أمام العالم ، أنهم مهتمون بك.. ثم أنهم يعرفون حق المعرفة أنك كالشمس لا يمكن حجب نورها بغربال.. لهذا يجدون أنفسهم مرغمين على قبول هذه الحقيقة والاعتراف بها على كل ما فيها من غصة ومرارة.‏

محي : إنهم ليسوا من النمط الذي يستسلم بالسهولة التي تتصور.‏

‏صباح : صحيح.. لكنهم يعترفون بالحقيقة حتى يتمكنوا من تغيير أوجهها.‏

محي : مع ذلك لم أرفض طلبهم.‏

صباح : اقترحتَ أن يصار إلى طبع مؤلفات المبدع بدل هذه الضجة المكلفة ولكنهم تجاهلوا الاقتراح.‏

محي : من مصلحتهم أن يتجاهلوا.‏

صباح : (بشيء من الغضب) ومن مصلحتك أن تتواضع.‏

محي : (بحدة وحسم) صباح.. ما هذا الكلام.. لم أعهدك تحدثني بهذه الطريقة.‏

صباح : آسف.. آسف جداً.. أنت تعرف كم أحبك وأجلك وأريد أن...‏

محي : (مقاطعاً) أعرف.‏

صباح : والله.. لو استطعت أن أقيم الدنيا وأقعدها من أجلك لفعلت.. صدقني.‏

محي : أنا أعرف حقيقة مشاعرك فدعك من هذا الغزل.‏

صباح : (بإصرار) هذا ليس غزلاً.‏

محي : لنسمهِ إذن محبة وصداقة ، هل هذا يرضيك؟‏

صباح : نعم.. شرط أن تتخلى عن بعض تواضعك.‏

محي : حسن.. سأحاول.‏

منير : (لأحد المارة) من فضلك يا أخي ( يتوقف الرجل. منير يقترب منه. يسأله ) لم كل هذه الضجة؟‏

رجل1 : ألا تعرف ( يشير له منير علامة النفي ) هل أنت غريب؟‏

منير : لا.. لست غريباً.‏

رجل1 : المدينة.. كل المدينة تحتفل اليوم احتفالاً تقليدياً.‏

منير : احتفالاً تقليدياً!.. أويعقل هذا؟‏

رجل1 : ولم لا؟‏

منير : لأنني أعرف احتفالاتنا التقليدية وأحفظ تواريخها.‏

رجل1 : ربما نسيت هذه المرة.. أو خانتك الذاكرة.‏

منير : لم أنس ولم تخني الذاكرة.‏

محي : (متدخلاً) يا أخ.. هلا أخبرتنا شيئاً عن طبيعة هذا الاحتفال.‏

رجل1 :هو يوم الاحتفاء بالمبدعين.‏

صباح : (متعجباً) ما أغرب أحداث هذه الليلة العجيبة (يكرر بشكل آلي) يوم الاحتفاء بالمبدعين.. متى صار للمبدعين يوم؟‏

رجل1 : (بتأكيد) أنتم غرباء.‏

صباح : (محتداً) بل أنتم الغرباء.‏

رجل1 : إذن.. كفوا عن مضايقتنا بأسئلتكم الغريبة.. اتركونا وشأننا ( يتركهم مغادراً ) .‏

صباح : ( في أثر الرجل) ولكن يا.. يا.. ( يبتعد رجل1 عنهم باستياء وغضب) ماذا يحدث؟.. أنا لا أفهم مما يحدث الليلة شيئاً.. أرى وأحلم وأتوهم في آن واحد.. يا إلهي ما هذه الفوضى.. أنا لم أعهد نفسي مشوشاً مثلما أنا الآن .‏

محي : خذ الأمر ببساطة وتأكد من حقيقة ما ترى.‏

صباح : كيف وأنا أرى أمامي، كل هذا يحدث بسرعة غير طبيعية.. ثم لماذا يحدث معنا بالذات كما لو كنا مقصودين به دون غيرنا.‏

محي : ربما بسبب ( يمر من أمامه رجل2 فيقطع حديثه ويتوجه إليه ) لو سمحت يا أخ .‏

رجل2 : نعم.. تفضل.‏

محي : ثمة سؤال لو سمحت.. هذه الضجة الكبيرة الباذخة ( يمتعض وجه الرجل حال سماعه كلمة ضجة) عفواً.. أعني هذا الكرنفال.. في أي عام قررتم إقامته أول مرة ؟‏

رجل2 : عام 1997.‏

محي : يعني هذا العام .‏

رجل2 : (باستغراب) ماذا تعني بهذا العام!! نحن الآن في عام 2022.‏

محي : (مندهشاً) ماذا قلت؟! 2022 بماذا تخرف يا رجل؟‏

رجل2 : أرجوك.. أنا لا أخرف (يغادر مستاءاً غاضباً هو الآخر).‏

صباح : هل صدقتما ، الآن ، أن شيئاً غريباً يحدث.‏

محي : أنت على حق.. انظرا إلى هناك (يشير بيده) عام 2022 مكتوبة بالأضواء الملونة على تلك البناية.. وتحتها مباشرة 28 آذار يوم الاحتفاء بالمبدعين.‏

صباح : أرجوكما تنحيا جانباً ودعاني أستفسر بنفسي هذه المرة .‏

الاثنان : تفضل .‏

صباح : ( لأحد المارة ) أنت يا أخ ( يقترب منه ) سؤال لو سمحت.‏

رجل3 : تفضل.‏

صباح : من أجل من هذا الكرنفال.‏

رجل3 : من أجل المبدعين طبعاً.‏

صباح : أعرف.. أعرف أنه من أجل المبدعين .. ولكن من منهم على وجه التحديد ؟‏

رجل3 : اثنان فقط لهذا العام .. الأول هو الكاتب المسرحي الكبير محي الدين حميد زنكَنه.. والثاني هو الفنان التشكيلي المبدع منير العبيدي .‏

صباح : ماذا ؟! من !! هل هذه مزحة أم نكتة ؟ (رجل 3 لا يحير جواباً) إعلم يا.. يا هذا.. إنها نكتة باهتة جداً ( إلى منير ومحي ) هل سمعتما ما قال.. إنهم يحتفون بكما.‏

رجل3 : أمر غريب.. غريب جداً.. كيف تسمح لنفسك تشبيه هذين السيدين بأكبر مبدعينا ؟‏

صباح : مبدعيكم ؟.. تقولها هكذا بكل بساطة .. اسمع (بتهكم) هل سبق لك أن رأيت محي الدين زنكَنه أو منير العبيدي؟‏

رجل3 : (يضحك).‏

صباح : مم تضحك ؟‏

رجل3 : من سؤالك .‏

صباح : سؤالي؟.. ما به؟‏

رجل3: اغرب منك.‏

صباح : لا تجعلني أفقد تهذيبي.‏

رجل3 : وتهددني أيضاً؟.. هل تعرف من أنا؟‏

صباح : (باستصغار ولا مبالاة) لا يهمني من أنت.‏

رجل3 : أنا أمين شؤون المحافظة والمشرف على كرنفالاتها.. و‏

صباح : اعتقدت...‏

رجل3 : (مقاطعاً بحدة وغضب) أعتقد كما يحلو لك.. ولكن لا تسيء لأحد في يوم كهذا لقد أصدرت أمري لأمين الهيئة العليا لحرس المحافظة وهو أمر مشدد جداً.. لن أسمح لأي كان أن يعكر صفو الناس في يوم كهذا.. هل فهمت (يغادر غاضباً)‏

صباح : ( يردد مع نفسه بتعجب ) أمين شؤون المحافظة وأمين الهيئة العليا لحرس المحافظة.. عجباً     ( إلى محي ومنير) هل سمعتما بأسماء مناصب مثل هذه ( يشيران بالنفي ثم إلى نفسه ) يريدني أن أفهم (صمت).. كيف ؟!.. الذي أفهمه هو أن محي الدين زنكَنه رفض أن يحتفوا به عندما طلبوا منه ذلك.. رفض بإصرار.. ولكنهم مع ذلك يحتفون به ، الآن، رغم أنفه.‏

محي : اطمئن.. لن يستطيع أحد إجباري على حضور حفلهم الزائف.. لن نحضر حفلهم مهما حدث.. اتفقنا؟‏

منير وصباح : اتفقنا.‏

رجل4 : ( يمر بالقرب منهم. يتوقف فجأة إذ يرى صباحاً يقترب منه. يحملق إلى وجهه. يدور حولـه بتعجب) أنت يا سيدي.. هل يمكنني طرح سؤال عليك.‏

صباح : وماذا وراءنا في ليلة كهذه.. اطرح.‏

رجل4 : (بعد أن يعيد التدقيق في وجهه) هل أنت شقيق أستاذنا الأنباري .‏

صباح : ( مستفزاً ) أستاذكم الأنباري ؟!.. الأنباري من؟‏

رجل4 : صباح.. صباح الأنباري .‏

صباح : أنا شقيق صباح الأنباري! هه.. ها ها ها هاه (يتوقف فجأة عن الضحك) ماذا جرى لعقلك يا رجل !.. كيف يكون المرء نفسه شقيقاً لنفسه .‏

رجل4 : (لا يفهم) عفواً أستاذي لم أفهم ما تقول .‏

صباح : ولن تفهم أبداً .‏

رجل4 : أنا لم أطرح سؤالاً صعباً أو غريباً أو معقداً.. فقط أردت أن أعرف أن كنت شقيقاً لأستاذنا الأنباري أم لا ؟‏

صباح : ولماذا أنا بالذات؟‏

رجل4 : لأنك تشبهه كثيراً ( كمن يفطن لشيء ) آ.. معذرة.. يا لي من غبي.. كيف ارتكبت مثل هذه الهفوة.. اعذرني يا سيدي.‏

صباح : أعذرك؟.. لماذا؟‏

رجل4 : لأنني اعتقدتك شقيق الأنباري.‏

صباح : (بارتياح) حسناً.‏

رجل4 : كان عليّ أن أعرف منذ البداية .‏

صباح : تعرف ماذا ؟‏

رجل4 : أعرف أنك ابن الأنباري وليس شقيقه.‏

صباح : (باستياء) أنا ابن الأنباري.. هاهاهاها.. (يقطع ضحكته) أنت تهرف بما لا تعرف .‏

محي : (الذي كان مشدوداً لحديث رجل4) مهلاً.. مهلاً صباح.. دعني أسأل هذا السيد سؤالاً واحداً.‏

صباح : (بتلميح مقصود) تريد أن تتأكد من حقيقة ما ترى.‏

محي : (غير مهتم بتلميحاته) بالضبط.‏

صباح : إذن تفضل.. لنرى إلى أين تذهب بنا معرفة ما نرى.‏

محي : عفواً أيها السيد.. هل يمكنك إخباري كم يبلغ عمر أستاذكم الأنباري الآن.‏

رجل4 : بكل سرور.. سبعون عاماً.‏

صباح : هاهاهاهاه ( يقلد ه) سبعون عاماً.. اسمعتما.. سبعون عاماً هاهاهاها (رجل 4 يحتار. لا يفهم لم يضحك صباح:. يبتعد محي قليلاً وهو يتمتم مع نفسه)‏

محي : سبعون عاماً.. هذا يعني، إذا كان ما يدعونه صحيحاً وأننا في عام 2022 بدل عام 1997.. إن فارق العمر بين صباح وشبيهه خمسة وعشرون عاماً.. إذن الرجل على حق‏

صباح : (متابعاً محي باهتمام) عن أي حق تتحدث ؟‏

محي : عن فارق العمر بينك وبين شبيهك.‏

صباح : (ضجراً) شبيهي؟! هه.. هل انتقلت إليك العدوى؟.. عدوى هذا الرجل فالتبست عليك الأمور؟‏

رجل4 : ( مدافعاً ) لم تلتبس الأمور علينا يا سيدي .‏

صباح : لا أستغرب منك قول هذا.. كما لا أستغرب أن تقول ، بعد قليل، إن هذا هو شبيه محي الدين زنكَنه وإن هذا شبيه منير العبيدي .‏

رجل4 : بصراحة.. هذا هو ما أردت قوله بالضبط.‏

صباح : (منتصراً لنفسه) أترون (بتأكيد) هذا هو ما أراد قوله بالضبط.‏

منير : (يقترب منه) ماذا تروم من تأكيدك هذا؟‏

صباح : إلى مسألة مهمة يبدو لي أنها مفتاح الغموض في هذه القضية.‏

منير : كيف ؟‏

صباح : سأوضح لك ذلك.. ولكن ليس قبل أن نحضر الحفل.‏

منير : ولكننا اتفقنا على عدم الحضور.‏

صباح : سنلغي ذلك الاتفاق الآن ( إلى رجل 4 الذي ما يزال واقفاً منتظراً ) من فضلك يا أخ.. في أي موقع تحتفلون ؟‏

رجل4 : في قصر أشنونه للثقافة والفنون (يشير جهة القصر) هناك.‏

صباح : إذن.. إلى هناك.. هيا‏

محي : لحظة من فضلك.. الفارق ما يزال يقلقني.‏

صباح : أي فارق؟‏

محي : فارق العمر بينك وبين شبيهك.‏

صباح : شبيهي مرة أخرى.. ماذا جرى لك يا أستاذ ؟‏

محي : افترض أن الأمر كان حقيقة قائمة فماذا يعني هذا ؟‏

صباح : أجب أنت ، لو سمحت ، وأرحنا.‏

محي : يعني أننا متأخرون عنهم خمسة وعشرون عاماً.. يعني أن هذه التغييرات ، كلها، ثمرة خمسة وعشرين عاماً.‏

صباح : لا تطلق العنان لخيالك أكثر من الحد المعقول فتزيدنا تشويشاً ( يقترب منه ) لو أن هذا حدث في خمسة وعشرين عاماً، كما تفضلت ، فهذا يعني أيضاً ، أن أعمارنا قد تقدمت بنا خمسة وعشرين عاماً أيضاً.. وأن عمري ، حصراً ، سيكون سبعين عاماً مع أنني لم أتجاوز الخامسة والأربعين بعد .. ومع ذلك أقول لك لا تقلق سأجد التفسير الدقيق لكل هذا .. ولكن ليس قبل أن نحضر الحفل.‏

منير : (إلى محي) لعل صباح على حق لنذهب إلى الحفل ونرى .‏

محي : حسن.. لنذهب.. هيا ( تطفأ الأضواء. يظلم المسرح ) .‏

*                                                               

    ] في قصر أشنونة للثقافة والفنون يشق الثلاثة طريقهم وسط الزحام.. يوقفهم رجل التشريفات و هو رجل 5...[

رجل 5: ( بملابس الحفل الرسمية ) هل حضراتكم من المدعوين؟

منير  : لا

رجل5:آسف.. لا يحق لغير المدعوين حضور الحفل الخاص

منير  : هل تعني انكم تقيمون حفلين منفصلين؟

رجل5: نعم

مني ر: لماذا؟

رجل5: لانه لا توجد في بعقوبه كلها قاعة تستوعب اعداد الوافدين من داخل القطر و                                          

         خارجه.. لهذا أنا أعتذر اليكم.. وأرجوكم أن تتركوا القاعة حالا ( يتصنع تأمل وجه             

         منير) ولكن مهلا .. مهلا .. أرجو أن لا أكون قد أخفقت في معرفتكم.

منير  : أخفقت في معرفتنا ؟

رجل5: نعم ( يتصنع النظر الى وجه منير بدقة) نعم .. اعذروني .. لم أنتبه الى كونكم من     

         ذوي المبدعين.

منير   : (سخرية) نحن! (يلكزه صباح خفية فينتبه للأمر) آ.. طبعا .. طبعا

رجل 5: أدعوكم لأخذ محلاتكم في الصف الاول.

منير: شكرا لك (الى صباح و محي ) هيا الى الصفوف الاولى يا أساتذة ( يشقون طريقهم الى الصف الاول . يظهر المذيع أو عريف الحفل أمام الستارة أو يسمع صوته ، فقط عبر مكبر الصوت)

عريف الحفل : ايها السيدات و السادة .. ارحب بكم اجمل ترحيب في حفلنا الخاص هذا و    

  اعلن بإسم محافظتنا و بإسم السيد ممثل السيد رئيس الامانة العامة للثقافة و     الفنون عن بدء الحفل بعزف اوركسترا لي لمعزوفة ألق المبدعين للفرق السيمفونية المحلية لمدينة بعقوبه ( تفتح الستارة على الفرقة السيمفونية أثناء حديث عريف الحفل . يصفق الجمهور للفرقة حتى تبدأ بالعزف. و اذ تنتهي المعزوفة يحيي المايسترو الجمهور بينما تستدل الستارة.. إضاءة مركزة على عريف الحفل في جانب المسرح.

عريف الحفل : ايها السيدات و السادة.. جريا على العادة سيكون أستاذنا الانباري رئيسا    

 لجلسة هذا المساء فلنصفق له جميعا ( يصفقون فترة و اذ ينتهون تفتح   الستارة بحركة متزامنة مع الموسيقى . اضاءة مركزة على وسط المسرح. يظهر الانباري وهو يرتقي درجات السلم من الخلف. يتوقف في أعلى السلم ينحني للجمهور ثلاث مرات في ثلاثة اتجاهات ثم ينزل السلم الأمامي متوجها الى منضدة أنيقة ثبتت عليها أجهزة صوتية مختلفة يقف الجمهور مصفقا تصفيقا شديدا و منغما . يجلس الانباري و يهيئ بعض الاوراق. إضاءة مركزة على الصف الاول).

منير  : توقعت اشياء كثيرة ولم اتوقع هذا

صباح: اما انا فقد توقعت اكثر من هذا

محيي: أنت مقتنع ، حتى هذه اللحظة ، انهم سيقدمون عرضا دراميا على طريقة بيراندللو

صباح: صحيح.. صحيح جدا.

محيي: و تفكر أيضا أن نكون نحن من المشتركين في أداء العرض

صباح: هائل

محيي: ولكنهم لن يقدموا أي عرض

صباح: دعني أسألك سؤالا واحدا باعتبارك كاتبا و خبيرا دراميا .. ألا يصلح ما قدموه ، الآن ، كاستهلال لعرض غير تقليدي.

محيي: نعم ولا .

صباح: يعني ان كلا الاحتمالين وارد حتى هذه اللحظة

محيي : نعم

منير: سواء حدث هذا أم ذاك لن أكون ممثلا في هذه الدراما أو أي دراما غيرها .. ثم على أي شيء أسست أفكارك و احتمالاتك الفظيعة هذه.

صباح: على أساس الواقع الملموس

منير  : كيف؟

صباح : أراد المخرج أن يزج بنا، نحن الشخصيات الحقيقية ، في عمله الدرامي بدل ممثلين مسخرين لهذه المهمة .. يدخلون، عادة ، في صراع مع الشخصيات المزيفة

منير : لو ان المخرج اراد هذا حقا لاختار شخصيات مناظرة لشخصياتنا.. هكذا هو بيراندللو (الى محيي) اليس كذلك ؟

محي : ثمة لكل مخرج وجهة نظر خاصة به.. وانا أكاد أجزم ، إذا كان احتمال العرض ما      

        يزال قائما، ان هذا المخرج يتواصل مع بيراندللو من هذه الناحية و يفرض القطيعة   

        عنه من ناحية أخرى

منير  : مع ذلك لم يتصل بنا المخرج ولا غيره لإعلامنا بما ينوي فعله في هذه الدراما

صباح: كيف يتصل بنا و هو يخطط لخداعنا؟

منير  : لم افهم

صباح: إذن سأكشف لك السر

منير: أي سر

صباح: سر التقائنا، قبل قليل، بشخصيات مسخرة لخداعنا كما في مسرحية بيراندللو( لكل   

        شيخ طريقة )

منير  : تقصد رجل 1 و رجل 2 و رجل 3

محي  : (مكملا) ورجل 4 ورجل 5 أيضا.. لقد درب هؤلاء ، جميعا ، ليجعلوا الخدعة

         تنطلي علينا خاصة و هم يعرفون اننا مطلعون على طريقة بيراندللو

منير   : إذن علينا ابطال خدعته بأي وسيلة

محي  : اؤيدك في هذا (الى صباح) أنت تعرف ، اكثر من غيرك ، اني لا اوافق على

         مداهمتي بأفكار مثل هذه على الاطلاق.

صباح : دعونا نفكر في هذا لاحقا.. لنسمع ونر ما سيفعله صاحبهم الانباري

محي  : حسنا..بدأت تهتم بغريمك..لا بأس.. لنسمع و نرَ ( يطفأ الضوء على الصف الاول)

الانباري: ( تفتح الاضاءة عليه أو يصار الى ايقاف حركته عندما يتحول الحوار الى الصف

          الاول ثم تعود الحركة كلما حان دوره ) أيها السادة.. أيها الأخوة و الأخوات..

          مساؤكم سعيد

صباح : عجبا.. إنه يبدأ الحديث مثلما افعل انا في الأمسيات الادبية

محي  : والأعجب انك تشبهه

صباح : ( معترضا ) بل هو الذي يشبهني

منير   : ( محدقا في الانباري ) يا لعمل الماكيير البارع

صباح : لا أظن هذا من عمل الماكيير

منير   : من عمل من إذن

صباح : المخرج .. لقد بحث المخرج عمن يشبهني قليلا حتى وجد هذا (يشير الى الانباري)

الانباري: (مواصلا حديثه السابق) ها نحن نلتقي ثانية بأديب كبير و علم بارز من اعلام

         الادب العراقي و رمز واضح من رموز ثقافتنا و صرح شامخ من صروح مسرحنا

          العراقي و العربي.. محي الدين حميد زنكنه . الصديق و الاستاذ و الروائي و

         الدرامي و القاص.

محي   : يصعب التمييز بين اسلوبك و اسلوبه في الكلام.. كأنكما واحد الفرق الوحيد

         بينمكما هو انك اكثر شبابا.

منير   : استطيع الجزم، كفنان تشكيلي ، على ان شكلك ، بعد خمسة و عشرين عاما سيكون

         كشكله تماما

صباح : و لكن سأبدو، حينها أيضا ، أقل عمرا

منير   : هو أيضا يبدو أقل عمرا .. انظر اليه .. أهذه هيأة رجل في السبعين

صباح : تأكيداتك تشوشني كثيرا و تجعلني أكثر شكا فيه( يشير الى الانباري )

الانباري: ( يواصل حديثه) كما نحتفي بعلم من اعلام الفن التشكيلي العراقي الحديث... فنان  

         دأب على ان يلتقط من الطبيعة الجميلة لمحافظتنا أجمل ما تراه عيناه الخبيرتان

         المدربتان .. فعكس في لوحاته سحر ليمونها.. و عنفوان نخيلها.. وألق بساتينها..

          و زهو انهارها.. و ايقاع الوانها المتدفق في رحلة الفصول.. أيها الاصدقاء..

         اسمحوا لي ان ادعو باسمكم جميعا، المبدعين الكبيرين محي الدين زنكنه و منير

         العبيدي .. فليتفضلا ( تظهر النجوم المتألقة على الخلفية ( السايك) تتغير الاضاءة

         تتغير الالوان و ترتفع الموسيقى مع هبوط محي الدين زنكنه و منير العبيدي من  

         سماء المسرح على نجمتين مشعتين من يسار المسرح و يمينه. يعلو التصفيق  

         الموقع فترة طويلة . ينحني كلا المبدعين لجمهور النظارة ثم يأخذان محلهما الى

         جانبي الانباري ).

صباح  : (الى منير بشيء من التهكم و الاستفزاز) باعتبارك فنانا تشكيليا.. ماذا ستقول عن

           شكلي هذين الرجلين؟

منير   : (ساهما) ما أعجب ما أرى

صباح : ماذا ترى؟

منير  : لا شيء على وجه الدقة

صباح : لم أفهم

منير   : ألم تقل أنك كنت ترى أشياء لم ترها.. تتوهمها أو تتخيلها او تلمسها في واقع الحياة أو.. أو هي واقع ووهم.

صباح : نعم .. قلت شيئا من هذا القبيل ولكن ليس بالضبط

منير   : أنا مثلك الآن .. أرى ولا أرى

صباح : كيف؟

منير   : عندما يغلف الغموض جوانب موضوع ما.. تذوب الفواصل بين ما يرى و ما لا

         يرى

صباح : (الى محي) و ما ترى انت يا.. ( يتوقف اذ يجد محي ساهما هو الآخر فينبهه ) هل

        أدهشك شبيهك الى هذا الحد؟

محي   : بل أدهشتني حيويته و هو بهذا العمر.. أفكر لو انني عمرّت حتى الثمانين هل   

         سأتمتع مثل نشاطه و حيويته.

منير   : بكل تأكيد فأنتما واحد

صباح : لا يمكن أن يكونا واحدا

منير   : لماذا؟

صباح : لسبب مهم .. هو أن زنكنه الحقيقي لن يوافق على كل هذا البذخ

زنكنه  : أشكركم جميعا على ما بذلتموه من اجل ان يكون هذا الحفل لائقا و جميلا.. كما

        اشكر كل من عمل بدأب ليكون عرض مسرحيتي الأخيرة ( دم على أرصفة   

         كاورباغي)    

         عرضا متميزا ( تصفيق)

العبيدي : طوبى لكم جميعا.. طوبى لشعاركم الرائع ( مزيدا من الحب .. مزيدا من المسرة.. مزيدا من الابداع ، و شكرا للصديق الانباري الذي هيأ لكم عرضا مسرحيا كان قد استوحى مادته من لوحة زيتية لي تحت عنوان ( زهور و عقارب) الى جانب عرضه الاول لمسرحية زنكنه ( دم على أرصفة كاورباغي).

منير    : لقد نفد صبري.. كيف يزعم ان اللوحة لوحته وهي تحمل توقيعي انا.. يجب ان

         نوقف هذه المهزلة و نقاضي هذا الرجل ( يشير الى العبيدي).

محي   : صبرك يا منير .. تدخلك هذا يعني قبولك تمثيل الدور

منير    : تمثيل أم غير متثيل لن أدعهم يسرقونني وانا حي

صباح  : و أنا أيضا

محي   : يبدوا ان المخرج بدأ يحقق بعض النجاح في ارغامنا على المشاركة في لعبته

منير   : (الى محي) يقدمون مسرحيتك الأخيرة وأنت جالس هنا لا تحرك ساكنا .. ألا يهمك

        من أمرها شيء .. أتوافق على أن تسرق بهذه الطريقة

محي   : لم يسرقوا مني شيئا.. للمخرج .. أي مخرج الحق في ان يخرج أي نص من

        نصوصي.. و اذا كان لا بد من موقف ازاء هذا فانني اقف ضد أي عمل يوظف

        لتزييف شخصيتي أو نصوصي.

صباح : إذن.. انت لم تسمعه جيدا و هو يشكر العاملين في مسرحيته الأخيرة ( متداركا)

       اقصد مسرحيتك الأخيرة

محي  : هي ليست مسرحيتي بالضبط

صباح : ماذا تعني انها ليست مسرحيتك بالضبط

محي  : أعني انني لم اكتب مسرحية بهذا العنوان على الرغم من ان فكرة كتابة مسرحية

        بهذا العنوان قد راودتني على الدوام

صباح : اذن استطاع ان يسرق منك ما تفكر فيه .. أليس كذلك

محي  : لا ادري ماذا اقول .. انا مشوش قليلا و يراودني احساس غريب في اننا لم نصح

        من رقدتنا بعد

صباح  : ( مستفزا ) قد تكون على حق .. سأتحقق من هذا حالا ( يتوجه الى منير) منير..

         اصفعني ( بحده) اصفعني.

منير   : ماذا .. أجننت؟

صباح : (يصرخ به ) اصفعني قلت لك

منير   : لا أستطيع

صباح : بل تستيطع (مهددا) ان لم تصفعني بقوة سأرتكب حماقة كبيرة

منير   : أجاد انت؟

صباح  : نعم

منير    : و لماذا اصفعك

صباح  : لأنني أريد ذلك

منير    : حسنا.. كما تشاء (يصفعه)

صباح  : (غاضبا) أتسمي هذه صفعة ؟..إضرب بقوة ( يضربه) قلت لك بقوة ( يصفعه لا اراديا صفة شديدة فيسقطه أرضا )

الانباري : أيها السادة ليس هذا المكان مناسبا لعراككم.. انكم تشوشون علينا.

صباح   : ( بحده من مكانه على الارض) بل انتم الذين تشوشون علينا.. يكفينا ما فعلتم

الانباري : ( لزنكنه) صوت هذا الرجل ليس غريبا عليّ.. كأنه ينطلق من داخلي

زنكنه   :  يراودني احساس انني اعرفه ايضا.

الانباري : انت ايها السيد.. اقترب من هنا لو سمحت

صباح   : لن ادعكم تكملون هذه المهزلة

منير     : اوقفوا هذه اللعبة حالا

محي    : يكفينا ما أصابنا منك ( يصعد رجل من الصالة الى الخشبة الامامية للمسرح)

رجل2  : هذه وقاحة لم نعهدها من أحد من مثقفي بعقوبه.. اتعرف مع من تتحدث

صباح  : و ما دخلك انت؟

رجل 2: ستعرف ما دخلي عندما انادي الشرطي ( الى الشرطي في مؤخرة القاعة) أيها

        الشرطي.. ايها الشرطي

الانباري : ( الى رجل 2 ) مهلا.. رجاءً.. دع السيد يفصح عن دخائله ( الى صباح ) هل

         تريد معرفة شيء أو قول شيء يا أستاذ؟

صباح  : نعم..اريد ان اعرف من انتم ( يشير الى ثلاثتهم ، و لماذا تنتحلون شيخصياتنا.

الانباري: الكل هنا يعرف من نحن فمن أنتم ؟

صباح  : أنا صباح الانباري و هذان هما صديقاي محي الدين حميد زنكنه و منير حميد

        العبيدي

الانباري : ها فهمت.. الآن فهمت سبب اتهامكم لنا.. لقد فعلتم هذا في محاولة لزجنا في

         لعبتكم الدرامية

صباح  : لعبتنا ام لعبتكم ؟

الانباري: بل هي لعبتكم انتم .. فما حاجتنا الى التمثيل امام جمهور غفير يحتفي بنا كل هذا الاحتفاء ؟

منير    : ان كنتم كذلك لماذا سرقتم اعمالنا؟

الانباري: لم نسرق عمل أحد

منير    : و لوحتي( زهور و عقارب) كيف ادعى صاحبكم الـ.. العبيدي.. انها ليست لي

         مع ان صباح الانباري كان قد استوحى منها مادة مسرحيته

العبيدي : اذن انت تتهمني بسرقة لوحتي؟

منير    : و لكنها لوحتي انا

العبيدي : كيف تبرهن انها لوحتك و ليست لوحتي

منير    : بوساطة شهود العيان

العبيدي : حسن انا موافق.. هذه مقاضاة عادلة.. اطلب من ترغب بشهادته

الانباري: أرى انكما توصلتما الى اتفاق

صباح  : حسن .. لنتفق نحن أيضا

الانباري: على الشهود ؟

صباح  : نعم

الانباري: و انت يا أستاذ.. الا تريد ان تتفق مع الاستاذ زنكنه

محي   : نعم.. اريد ذلك

الانباري: حسن.. اطلبوا الشهود.. فأنا اعتقد ان احدا من مريدينا( متداركا) اقصد مريديكم لم يتأخر عن حضور هذا الحفل

محي   : انا اطلب شهادة الفنان سعدون العبيدي

الانباري: للأسف الشديد.. لقد رحل الفنان سعدون العبيدي الى العالم الآخر

محي   : نكتة سمجة .. أيعقل ان يرحل الرجل بهذه السرعة.. أمس كنا، معا، في بناية  

         اتحاد الادباء

الانباري: (مبتسما) أي أمس هذا .. لقد رحل الفنان العبيدي منذ عام 2012

محي   : و الناقدة نازك الأعرجي.. هل رحلت هي الأخرى

الانباري: نعم.. منذ عام 2020 أي قبل سنتين من الآن

محي   : متى تتوقفون عن هذه السخافات

الانباري: هذه ليست سخافات يا أستاذ.. انها الحقيقة

محي   : ( الى صباح بصوت منخفض) أرأيت.. انهم يلعبون نفس لعبتك في مسرحيتك (

        زمرة الاقتحام ) عندما جعلتني أموت عام 2000 و لكن لا بأس لنرى الى أي مدى

        يتمادون في سخافاتهم ( الى الانباري) اطلب الآن شهادة ابني آزاد محي الدين زنكنه

         .. و إياك إياك ان تقول أنه رحل هو الآخر

الانباري : حسنا ( الى منير) و انت يا أستاذ

منير    : أطلب شهادة الفنانة القديرة وداد الاورفلي

الانباري: للأسف غير موجودة في القطر حاليا

منير    : إذن.. اطلب شهادة الفنان الصديق عادل كوركيس

صباح  : اما انا فأطلب شهادة زوجتي الفنانة لميعه الناشئ

الانباري: حسن.. يتفضل الذوات الذين ذكرت اسماءهم الى المنصة رجاءاً

محي   : وانا كذلك ( ينتبه للشهود) انظر.. انظر..

منير   : هذا يعني ان الخدعة قد انطلت علينا بالفعل فسقطنا في فخ بيراندللو من حيث لا

         ندري

الانباري : الشهود لكم ايها السادة .. استجوبوهم كما يحلو لكم

محي    : نستجوب من ؟! هؤلاء ؟

صباح   : من سمح لكم لعب هذه الادوار

منير     : (ساخرا) أهذا هو عادل كوركيس صديقي ذو اللحية المقدسة؟ ها ها ها ها كم انتم

          بلهاء

محي     : ( الى صباح بصوت منخفض ايضا) ألا ترى ان الأمر غريب بعض الشيء

صباح   : ما وجه الغرابة فيه ؟

محي    : نحن طلبناهم فجاءوا هكذا

صباح   : هكذا كيف؟

محي    : دون سابق تحضير.. اكانوا يعرفون اننا سنطلب هؤلاء دون غيرهم؟

صباح   : انت تحيرني ( متذكرا) هل يعني هذا ان اشباهنا موجودون في الواقع ايضا

محي    : ما أراه هو هذا رغم اختلاف الحقيقة

صباح   : (في حيرة اكثر) كيف؟ و نحن ؟ .. لا .. لا .. ليس هذا صحيحا انت تغالط نفسك

          و تمنحهم الفرصة لاستكمال اللعبة.. دعك من هذه الافكار و انظر كيف سأراوغ

         هذه المرأة التي يزعمون انها زوجتي

محي    : و لكنها تشبه زوجتك فعلا

صباح   : تشبهها نعم.. و لكنها ليست هي بالتأكيد.. هذه اكبر سنا( الى لمعية الناشئ) انت

          يا سيدتي.. يفترض بك ان تكوني متزوجة ممن.. ممن..

لميعه    : ( تقاطعه بشدة و غضب) ما هذا الهراء .. انا متزوجة منذ عام 1976 من ..

صباح   : ( يتقصد مقاطعتها) صحيح .. صحيح ( يمثل دور من يحاول التذكر ) كنت حينها

         عسكريا.. جازفت بكل شيء.. ركبت موجة المغامرة.. تجاوزت حدود الفوارق

         الطائفية بيننا و تزوجت

لميعه    : ( مقاطعة) عمن تتحدث يا أستاذ؟

صباح   : عن ظروف و ملابسات زواجي

لميعه    : و لكنك تتحدث عن ظروف و ملابسات زواجي انا

صباح  : زواجك ممن؟

لميعه   : من صباح الانباري طبعا

صباح  : (مستغربا) و لكنني أنا هو صباح الانباري

لميعه   : لا انكر.. انك تشبه زوجي عندما كان بعمرك.. و لكنك بالتأكيد ليس هو .. هذا

         هو زوجي يا سيدي ( تشير الى الانباري) و الكل هنا يعرف تفاصيل مغامرتنا

صباح  : ( يزداد استغرابا) و أنا ؟! من أكون ؟ ها ؟ ( بغضب) من اكون؟

لميعه   : أتسألني يا سيدي؟

صباح  : ( ينظر الى محي و منير ثم اليها) لا .. لم اعد بحاجة الى اجابة احد

الانباري: عودي الى محلك لطفا( تعود الى محلها في الصالة) و الآن هل تقومون باستجواب

         احد؟

منير   : لا اظن

محي   : مهلا منير.. اريد ان اطرح على هذا الرجل سؤالا ( يقترب من آزاد.. يحدق في

        عينيه) جدتك لأبيك.. ألا تزال على قيد الحياة؟

آزاد   : لا .. توفيت و انا ما ازال صبيا

محي  : متى؟

آزاد   : عام 1984

منير   : سؤالك هذا لا يجدي نفعا

محي  : بل يجدي

منير  : كيف؟

محي  : لا احد يهتم بتاريخ كهذا غير ذوي المتوفى

منير  : هل تريد ان تقول ان هذا الرجل، الذي عمره مقارب لعمرك، هو ابنك آزو؟

محي : لولا فارق العمر بينه و بين آزادي لقلت انه ابني فعلا

منير : هذا ما كان ينقصنا.. هل انت مشترك في اللعبة معهم ضدنا؟

محي : لا .. و لكن شعورا أبويا، غريبا، انتابني و انا أحدق الى عيني هذا الرجل .. إن فيه

       الكثير الكثير من آزادي.

منير   : اذا كان في هذا ( يشير الى آزاد) الكثير الكثير من آزادك.. فماذا يحوي هذا         

        ( يشير الى عادل كوركيس) من عادلنا؟

عادل  : ( متدخلا بينهما) لو سمحتم.. عن اي عادل تتحدثون؟

منير   : عن الذي انتحلت شخصيته

عادل  : لم انتحل شخصية احد

منير   : بل انتحلت

عادل  : تشابه الاسم .. لا يعني انتحال الشخصية

منير   : انت تشبهه كثيرا لولا فارق العمر

عادل  : فارق العمر؟! كم يبلغ فارق العمر؟

منير   : حوالي خمسة و عشرين عاما

عادل  : خمسة و عشرون عاما ( يفكر مع نفسه ثم بصوت مسموع) خمسة و عشرون

        عاما؟ ( يقترب من منير) هل انتم من كوكب آخر؟

منير   : لم اطلب منك ممازحتي

عادل  : ان لم تكونوا من كوكب آخر فأنتم اذن كهفيوا هذا القرن.. نمتم في زمانكم و

        صحوتم في زماننا

منير  : هه.. كهفيوا هذا القرن.. هراء ( بصوت اعلى ) هراء

عادل : آسف .. آسف جدا .. و لكن كيف تفسرون وجودكم بيننا ( لا جواب) نحن كما ترون متجانسون .. و يمكنكم التأكد أكثر فأكثر بمناداة شهود آخرين ، و ليكن في حساباتكم انه مهما قل او كثر عددهم فانهم يؤكدون حالة واحدة هي انكم انتم الثلاثة مختلفون عن       ( يشير الى زنكنه و الانباري و العبيدي ) هؤلاء الأساتذة

صباح : من المؤكد اننا نختلف عنهم

عادل  : ( يتنحي بهم جانبا) لكن ما يحيرني انكم متشابهون معهم أيضا( متداركا) لا اعني من حيث الشكل و المظهر الخارجي حسب.. بل و من حيث السلوك الذي عرفوا به من قبل

منير  : عرفوا به من قبل؟ و الآن؟

عادل : حدث تبدل جعلني ارتاب بعض الشيء

محي  : منذ متى حدث ذلك التبدل

عادل : المشكلة انه حدث منذ ما يقارب الربع قرن. و هي الفترة نفسها التي اعتبرتموها  

      فارقا للعمر بيننا و بينكم

محي : و ماذا يعني هذا بالنسبة لك ؟

عادل : يعني ان اصدقائي هؤلاء ( يشير اليهم) ربما كانوا امتدادا لكم .. و انكم تمثلونهم ما قبل تبدلهم و ان هناك حلقة مفقودة عند مفترق الطرق
منير  : اي مفترق ؟

عادل : المفترق الذي عنده انفلق الزمن و حدث الانشطار

منير  : (مرددا) انفلق الزمن و حدث الانشطار( يتوقف ثم الى عادل) ، انشطار من؟

عادل : انشطاركم

منير  : لسنا من فصيلة السبايروجيرا حتى ننشطر كما يحلو لك ان تتخيل

عادل : عذرا .. أردت ان أضع تفسيرا يبرر و جودكم و غرمائكم بهذه الطريقة

منير  : لا حاجة بك الى هذا .. نحن ندرك جيدا ان في الأمر لعبة ما و سنكتشفها حتما

عادل : آمل ذلك ( يهم بمغادرتهم) ، و على أي حال ان احتجتم الى شيء فلا تترددوا في

      طلبه مني.. أستأذنكم ( الى زنكنه و العبيدي و الانباري) اسمحوا لي ايها السادة

      بمغادرة المنصة( ينحني لهم قليلا ثم ينسحب)

منير  : هذا الرجل يحيرني حقا.. ان فيه الكثير من نبل عادل و شهامته

صباح: لا تتعجل إطلاق الاحكام فاللعبة لم تنته بعد

منير  : آ.. حقا.. ماذا سنفعل مع هؤلاء؟

صباح: سترى( يتقدم نحو الانباري و زنكنه و العبيدي، يقف عند حافة منضدتهم يوجه

      الحديث الى جمهور النظارة أول الأمر ثم اليهم يتحرك هنا و هناك كما لو كان محاميا

      للدفاع في قاعة محكمة) أيها السادة .. سأورد بعض المعلومات المهمة التي آمل ان لا

        يمانع هؤلاء السادة ( يشير اليهم) من طرحها عليهم و الرد عليها

زنكنه : لا مانع لدينا البته .. اطرح

صباح: حسن.. سأبدأ ببعض المعلومات الأولية عن بعض الشخصيات التي خلقها محي الدين زنكنه في بعض اعماله الفنية و سأبدأ تحديدا بشخصية الطبيب صفوان بن لبيب

زنكنه: ( مكملا بلهفة صبيانية) و ما جرى له من العجيب و الغريب.

صباح: مهلا.. ليس الأمر بهذه السهولة كما تظن ( الى الجمهور) الطبيب صفوان ايها السادة

       رجل شهم.. نبيل .. انساني في طبعه.. شريف في نسبه.. نزيه في تعامله و لكنه

      برغم ذلك اودع السجن. اطلب من هذا السيد( يشير الى زنكنه) الذي يدعي خلق هذه

      الشخصية ان يذكر سببا واحدا من الاسباب التي ادت بصفوان الى ذلك.

زنكنه : حسن.. القتل المتعمد مع سبق الاصرار و الترصد

صباح : لو تفضلت يا سيدي ، و ذكرت اسم القاتل بوضوح

زنكنه : بكل سرور.. صفوان بن لبيب

صباح : ( مهاجما اكثر) قلت مكملا عن صفوان قبل لحظات "و ما جرى له من العجيب و الغريب" ما العجيب و الغريب الذي جرى لصفوان؟

زنكنه : القتل.. لأنه لم يكن من شيمه و هذا غريب

صباح: و العجيب؟

زنكنه : دخل السجن في الوقت الذي ينبغي الافراج عنه لمكانته و مركزه

صباح: ( يستدرجه) و اذ لم يفرج عنه .. هل أعلن تمرده على الوالي

زنكنه : بل استعطف الوالي و استرحمه

صباح : هل سمعتم ايها السادة ؟ هل تأكد لكم زيف هذا الرجل ؟ هل هذا هو صفوان الذي

       عرفتموه في مسرحية السؤال.. ان هذا السيد يتحدث عن صفوانه هو لا  عن صفوان

       زنكنه الحقيقي ( يرتبك زنكنه فيحاول الانباري انقاذ الموقف)

الانباري: ايها السادة الحضور .. هذه نسخة اصلية من مسرحية (السؤال) و فيها توكيد كبير

        لما ذكره الاستاذ زنكنه حول شخصية صفوان

صباح : ( يقترب من محي هامسا)، تحل بالصبر يا أستاذ .. سأنال من الانباري الخبيث( ثم

         الى جمهور النظارة) حسنا ايها السادة.. هناك مسرحية بعنوان ( الخاتم) و فيها

         اشارة واضحة لخاتم مهم.. لو يتفضل الاستاذ زنكنه او الاستاذ الانباري.. لا فرق   

          و يقولا لنا شيئا عن الخاتم .. اهو خاتم سليمان ام معاوية بن ابي سفيان؟

الانباري : بل هو خاتم سليمان

صباح   : هل تستطيع ان تحدثنا عن هذه المسرحية

الانباري : هي واحدة من المسرحيات التي استوحى الاستاذ زنكنة مادتها من التراث.. و

          تدور احداثها حول خاتم سليمان و معجزاته

صباح   : هل نشرت هذه المسرحية ام لم تنشر

الانباري : نشرت و هذه نسخة اصلية منها

محي    : ( ينفجر ثائرا غاضبا) كذب.. كذب واضح النذالة و الانحطاط .. لم أكن اتوقع

          انكم على هذه الدرجة من السفالة .. المسرحية ما تزال مخطوطة لدي .. فمن أين       

           جئتم بهذه النسخة المزيفة.

صباح   : ( يأخذ محي الى جانب المسرح) اضبط اعصابك جيدا.. لم انته منه بعد ( الى الانباري) انت يا سيدي يا من تمسي نفسك الانباري ماذا تعرف عن ( زهور و عقارب)

الانباري : كل شيء.. كل شيء

صباح   : إذن...

الانباري : هي مسرحية استوحيت مادتها من لوحة زيتية لصديقي الفنان العبيدي

صباح   : حسنا.. حسنا.. اجبني فقط ، لو سمحت ، من هم زهور اللوحة و من هم عقاربها

الانباري : زهورها اسياد هذا المجتمع.. و عقاربها انتم الذي تريدون ، دوما ، ان تحطموا

          كل شيء جميل و تشوهونه بسمومكم و لؤمكم.

صباح   : و هل تحتفظ بنسخة اصلية منها في الدرج ( يشير الى درج في المكتب)

الانباري : نعم .. هذه نسخة أصلية من المسرحية

صباح  : اعطينها لو سمحت

الانباري: (مرتبكا) كلا.. لا يمكن.. لا يجوز

صباح  : ( الى الجمهور) ألا يسأل احدكم لماذا لا يسلمني النسخة

مشاهد1: ( و هو من المتفرجين الذي يجلسون امام المنصة) سلمه النسخة يا أستاذ

الانباري: ( محرجا اكثر من ذي قبل) ينبغي ان .. ان لا تسير الامورعلى وفق ما يشتهون

مشاهد2: مع هذا سلمه النسخة حتى نقيم عليهم الحجة

الانباري: حسنا.. حسنا.. سأسلمه اياها.. تفضل يا أستاذ.. تعال الى هنا ( يأخذه جانبا يهمس في اذنه بضع كلمات)

صباح : ( بثورة و غضب) لم لا تقول هذا الكلام امام الناس جميعا.. لم لا تكشف عن

          تهديدك لي ( يخطف النسخة منه.. ينتقل الى الجهة الأخرى من المسرح .. يتعبه    

          الانباري محاولا استرجاع النسخة لكنه يفشل، صباح يقلب اوراق النسخة بسرعة

          ثم..) انظروا اليها ايها السادة و السيدات.. هذه النسخة لا تحوي شيئا.. انها مجرد

          ورق .. ورق فارغ.

زنكنه  : ( بانفعال) وحوش.. اما كفاكم ما فعلتم ايها المزيفون الاوغاد.. لقد سقط النقاب عن

           وجوهكم الزائفة و ها انتم تتهاوون الى حضيض لا قرار له.. و ان خير ما يفعله

          المرء بشلة من امثالكم هو ان يغادر هذا المكان الفائح بالغدر و الزيف و النذالة و

          السفالة ( يهمون بمغادرة المنصة)

رجل  3:( يعترض طريقهم) تغادرون ؟ هكذا بهذه السهولة و البساطة ( الى الانباري)

         أردت ان القي القبض عليهم فمنعتني.. لقد حضروا ليفسدوا علينا يومنا.. و لكنني

         سأفعل ، الآن ما أراه مناسبا( يصدر امرا لشرطي من شرطة الحراسة) ايها

         الشرطي.. ايها الشرطي.. خذ هؤلاء و زج بهم جميعا في السجن.

( إظلام )

*

 

[ صباح ومنير ومحي خلف قضبان السجن . الوقت ما يزال ليلاً . يظهر القمر من خلف نافذة السجن الصغيرة العالية...]‏

منير : لم أكن أعرف أن الأمر كله محض لعبة درامية براندلوية‏

صباح : والآن .‏

منير : ازددت تشويشاً واضطراباً.. بل خوفاً وقلقاً من أن يكون هذا الذي أراه أمامي واقعاً وليس وهماً.‏

صباح : ألمس هذه القضبان لنتأكد أنها موجودة فعلاً.‏

منير : ليس الوقت وقت مزاح.‏

صباح : إذن.. تعال نفكر، معاً، بطريقة للخروج من هذا المأزق‏

محي : ليس قبل معرفة الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً وأهمية : من نحن ؟‏

صباح: وما السبيل إلى معرفة من نحن ؟‏

منير : أن نعرف ، أولاً ، من هم .‏

صباح : نحن نعرف من هم .‏

منير : لا تقل لي أنهم ممثلون في عرض درامي على طريقة بيراندللو‏

محي : ولا تقل أنهم مزيفون‏

صباح : هذا كلام خطير جداً‏

محي : ولكنه واقعي جداً‏

صباح : أنتما تعترفان بوجودهم.. أتدركان ما يعنى هذا.. يعنى إلغاء وجودنا نحن.. كيف تسمحان لنفسيكما أن تفكرا بهذه الطريقة .. وجودنا لا مجال للتشكيك فيه إلا إذا كنتما بريكليان فعلاً* .‏

محي : مع هذا هناك حلقة مفقودة ، كما ذكر عادل كوركيس ، ما بين وجودهم ووجودنا (بتأكيد) وفارق العمر ما بين أعمارهم وأعمارنا‏

منير : وهو الفارق نفسه ما بين أعمار الذين نعرفهم وأعمار الذين حضروا بدلاً عنهم‏

محي : الكل، هنا، متقدمون علينا بخمسة وعشرين عاماً‏

صباح : (مكملاً بتهكم وعدم رضا) وأننا، الآن، في عام 2022 بدلاً من أن نكون في عام1997.‏

محي : صحيح.. هذا صحيح‏

صباح : (مستفزاً. منفعلاً) ما هو الصحيح يا أستاذ.. نحن لم نسافر في عربة الزمن بعد‏

منير : أظن أن المسألة أخذت قالباً آخر‏

صباح : ماذا تعني؟‏

منير : هؤلاء الذين يشبهوننا ربما استنسلوا منا‏

صباح : لماذا؟‏

منير : لينفذوا ما يطلب منهم دون اعتراض‏

صباح : نظريّاً أنت على صواب‏

منير : وعملياً‏

صباح : عملياً لا يمكن الاستنسال دون أخذ خلية منا‏

منير : ربما أخذوا خلايانا ونحن راقدون في العراء‏

صباح : وهؤلاء الذين نعرفهم من الأصدقاء والأقارب.. شهودنا في تلك القاعة أهم مستنسلون أيضاً؟‏

منير : ربما‏

صباح : ما حاجتهم إلى استنسال كل هذا العدد الكبير من البشر في بضع ساعات؟..‏ ألكي يحتفوا بمبدعين رفضوا الانصياع لأوامرهم حسب ؟‏

منير : يبدو لي أنك على صواب.. إذ لا يمكن استنسال هذا العدد الكبير نسبياً في بضع ساعات‏

محي : ليست بضع ساعات.. إنها في حساباتهم ربع قرن من الزمان‏

منير : هذا أكيد‏

صباح : ولكنه خطير في الوقت نفسه‏

منير : ما وجه الخطورة فيه؟‏

صباح : إنه يعني في جوهره أننا نحن المستنسلون وهم الأصليون.. إذ لا يمكن للمستنسل أن يكون أكبر عمراً من المستنسل منه‏

منير : أنت بارع حقاً بإغلاق الأبواب في وجوهنا‏

صباح : لم أقصد.. لكنه المنطق‏

محي : إذا ربطنا بين هذا المنطق وبين صورة الشبح الغريب التي تراءت لنا نحن الثلاثة في أول الليل فإنه لن يظل منطقاً.‏

صباح : وإذا اعتبرنا ما فعله الشبح واقعاً؟‏

محي : إذ ذاك لا يمكن أن نفسر الأمر إلا من خلال اينشتاين‏

صباح : خيال جامح.. ولكنه جميل.. جميل أن يكون ذلك الشبح رجل فضاء أخذنا معه في نزهة كونية وهو يطير بنا بسرعة هائلة جداً ثم عاد بنا ثانية لنجد عمر الكرة الأرضية قد تقدم علينا بخمسة وعشرين عاماً‏

محي : هل تدري أن ما تعتبره خيالاً جامحاً يعطينا التفسير العلمي لمعضلتنا.. والمعنى الدقيق لوجودنا‏

صباح : كيف؟‏

محي : لو كان وجودنا طبيعياً فعلاً ألا ينبغي أن يوجد معنا وبأعمارهم التي يعرفها أزواجنا وأخوتنا وأهل بعقوبه الذين نعرفهم واحداً واحداً‏

صباح : نعم.‏

محي : إذن، أين هم الآن (صباح لا يجيب) أنا أقول لك.. إنهم موجودون هناك، خارج السجن، ولكن بإعمار متقدمة علينا بربع قرن‏

صباح : أنتما تجعلانني أكثر تشويشاً وقلقاً.. مع ذلك إذا اعتبرنا تفسيرك هذا صحيحاً فمن أين جاء هؤلاء الذين يشبهوننا ولماذا يوجد في هذا العالم صباحان ومنيران ومحييان؟ لماذا هذا الوجود المزدوج الغريب؟‏

منير : أتعتقد أن من السهل الإجابة عن كل هذا؟‏

صباح : يفترض... (يدخل الشرطي. يقاطعهم).‏

الشرطي : أيها السادة.. شخص طلب مواجهتكم.. هل لديكم أي مانع في مواجهته؟‏

محي : لم يمضِ علينا، هنا، سوى بضع ساعات ويأتون لمواجهتنا.‏

صباح : حسب تقديرك.. يفترض أن لا أحد يعرفنا في بعقوبه كلها (إلى الشرطي) هل ذكر لك اسمه.‏

الشرطي : نعم.. قال إن اسمه مجيد مبارك.. اصرفه أم ادعه يدخل‏

محي : (مستبشراً) مجيد مبارك.. مجيد مبارك.. أعتقد أننا وجدنا الحلقة المفقودة.. مجيد هو حلقتنا المفقودة (إلى الشرطي) حسناً.. دعه يدخل رجاءً (يخرج الشرطي) لمَ لمْ يخطر على بالنا من قبل مع أنه كان الليلة معنا (يدخل رجل كبير السن. أشيب الرأس. يضع على عينيه نظارة طبية سميكة ويتكئ على عصا أنيقة)‏

مجيد : السلام عليكم‏

صباح : (يقترب منه. يتأمله ثم إلى محي بشيء من السخرية، أهذا هو حلقتك المفقودة؟‏

مجيد : قلت السلام عليكم.‏

الجميع : وعليكم السلام‏

صباح : (بأسلوب تمثيلي ساخر) تفضل يا مولانا.. اجلس رعاك الله.. نحن الضيوف وأنت رب المنزل (يضحكون)‏

مجيد : ممن تسخر (ابن أختي)؟‏

صباح : يتوقف عن الحركة من فرط ذهوله. يجمد في مكانه ثم، أسمعتما ما قال.. لقد قال (ابن أختي)‏

محي : هذه عبارة لا يقولها، في بعقوبة، ألا شخص واحد.. مجيد مبارك‏

منير : أأنت مجيد مبارك حقاً؟‏

مجيد : نعم..، أنا هو، كما تراني‏

صباح : أنا لا أرى غير أطلال اسمها مجيد مبارك‏

مجيد : ذلك هو فعل الزمن‏

صباح : (مستعيراً عبارته) ابن أختي.. أي زمن هذا.. ليلة واحدة لم تنقض تسمونها زمناً، أرجوك اتركنا وشأننا.. يكفينا ما لقينا الليلة منكم.‏

محي : دع الرجل يقول ما عنده.. حسناً (ابن أختي) قل ما عندك رجاءً‏

مجيد : عندما رجع مدين من الحفل الخاص...‏

صباح : (يقاطعه) مدين؟ هل يحضر الأطفال احتفالاتكم الخاصة‏

مجيد : (لله درك) مدين له من العمر ثلاثة وثلاثون عاماً‏

صباح : آ.. نسيت.. نسيت أن الفرق بيننا خمسة وعشرون عاماً.. تفضل قل ما عندك.. أنا آسف‏

مجيد : لقد روى لي وقائع ما حدث لكم مع أصدقائي.. وقال إن السيد أمين شؤون المحافظة قد أمر بإلقاء القبض عليكم وإيداعكم السجن‏

صباح : وماذا في هذا (ابن أختي) نحن سجناء كما ترى‏

محي : صباح.. أرجو أن تكف عن مضايقة الرجل.. ثمة أمور يريد التحدث عنها‏

صباح : حسن سأكف (يؤدي حركة الامتناع) كما تشاء (بسخرية وممازحة إلى مجيد مبارك) تفضل يا مولانا خذ ما يكفيك من الوقت‏

مجيد : (ابن أختي) أنت لم تتغير أبداً‏

صباح : (مصعوقاً) وما أدراك؟‏

مجيد : (مرتبكاً بعض الشيء) ها؟.. عفواً اعتقدت أنني أتحدث إلى الأنباري‏

صباح : الأنباري من؟ أنا.. أم هو؟‏

مجيد : لكبر سني وضعف بصري لم أستطع التمييز‏

صباح : (يشير له محي بالسكوت) حسناً.. حسناً.. سأصمت‏

مجيد : عندما حدثني عنكم ولدي مدين قلت في نفسي لم لا اذهب وأتحدث إليهم‏

صباح : بصراحة يا مولانا لا وقت لدينا للمحادثة.. أنت رجل عجوز ولا شيء يشغل العجوز غير الـ.. الكلام (محي ومنير يشيران عليه بالسكوت) إذا أردتما أن لا أتكلم بعد دعوني أعقد معه اتفاقاً (يشيران له بالموافقة) كنا في السابق نقول: إذا حضر مجيد حضر العرق.. وها أنت قد حضرت ولم يحضر العرق.. إذن لن يكون بيننا أي اتفاق‏

مجيد : بل يكون.. ولكن قل لي أولاً.. كيف تسنى لك أن تتحدث كما لو أنك الأنباري فعلاً (صباح لا يحير جواباً) تفضل.. هذا هو عقد الاتفاق (يخرج قنينة عرق من تحت ملابسه) ها؟ اتفقنا؟‏

صباح : (باستسلام) اتفقنا‏

محي : (يحثه على الكلام) إذن أردت محادثتنا‏

مجيد : نعم‏

محي : بخصوص ماذا؟‏

مجيد : بخصوص.. بـ... (يحاول التذكر).. آ.. بخصوص تلك الليلة الرهيبة‏

منير : (متدخلاً) أي ليلة؟‏

مجيد : ليلة كنا، معاً، في مزرعة خارج بعقوبه قبل خمسة وعشرين عاماً من الآن..‏

منير : وبعد‏

مجيد : وقتذاك احتجت كمية أخرى من العرق فركبت سيارتي وغادرت المزرعة متجهاً نحو المدينة.. ولدى عودتي رأيت ما يشبه الخيال رأيت شيئاً لا يمكن تصديقه‏

محي : (متلهفاً) ماذا رأيت؟‏

مجيد : رأيت كائناً غريباً ليس له هيئة محددة أخذ يقترب من أصدقائي قبل أن أصل إليهم.. أطلق من تحت أظفاره، أو هكذا خيل إليّ، أشعة زرقاء سلطها عليهم فناموا أو أغمي عليهم.. أو.. لا أدري بالضبط ما حدث لهم.. وبين دهشتي واستغرابي رأيته، أو هكذا خيل لي أيضاً، يحملهم إلى داخل جسم غريب هو أشبه بمركبة فضاء في فيلم من أفلام الخيال العلمي.. ما أن أدخلهم حتى انطلق ذلك الجسم بسرعة مهولة مخلفاً وراءه ضجيجاً وتراباً وقلقاً.. أردت أن أتبين حقيقة الأمر وأن أتأكد من أن ما رأيته كان وهماً لا واقعاً..‏

 ضربت جبهتي براحة يدي عدة مرات لا تحقق من أنني لم أقع تحت تأثير السكر.. وعندما   وصلت إلى مكانهم وجدتهم قد اختفوا فعلاً.. عدت إلى البيت مرتبكاً.. قلقاً.. مشوشاً وكان منظر   ذلك الجسم قد سيطر على مخيلتي طوال تلك الليلة.. كان علي أن أنتظر حتى طلوع الفجر‏

محي :  وعندما طلع الفجر ماذا فعلت؟ ها؟‏

مجيد :  ذهبت إلى بيت زنكَنه.. طرقت الباب.. ففتح لي على عادته.. قلت أريد أن أعرف حقيقة ما جرى لكم ليلة أمس في المزرعة.. استغرب زنكَنه كلامي كثيراً وقال بهدوء وهو يتأملني.. يبدو أنك لم تنم جيداً.. أنت لست على ما يرام.. لم يحدث شيء لأننا لم نسهر ليلة البارحة لا في المزرعة ولا في أي مكان آخر.. خدعت نفسي وكذبت عليها و قلت متداركاً الأمر.. آ.. نسيت.. ظننت أننا سهرنا ليلة أمس في المزرعة.. ومنذ تلك اللحظة كتمت هذا الأمر في نفسي ولم أحدث به أحداً.. لكن إحساساً.. أو هاجساً ما، في داخلي، جعلني أشعر، على الدوام، أن ما حدث لهم كان أمراً واقعاً حقيقياً‏

محي : وماذا حدث بعد ذلك؟‏

مجيد : فوجئت بتدهور العلاقة الزوجية بين أصدقائي وزوجاتهم.. كانت كل زوجة منهن تشعر، في بعض الأوقات، كما لو أن زوجها غريب عنها تماماً‏

منير : (متلهفاً) وماذا حدث لهن بعد ذلك؟‏

مجيد : سويت الخلافات بينهن وبين أزواجهن.. واستسلمن، فيما بعد، للأمر الواقع..‏

منير : وأنت كيف سارت أمور علاقتك معهم؟‏

مجيد : من سيء إلى أسوأ‏

صباح : لماذا؟‏

مجيد : لأنهم تغيروا فعلاً.. تصور.. محي الدين زنكَنه الذي لا يطأطئ رأسه أبداً.. وافق على أن يقيموا يوماً للمبدعين باسمه.. ووافق على الاحتفاء به على طريقتهم وصار ينظر إلى نفسه بمنظار التعالي والتباهي والتفوق والكبرياء.‏

منير : لكنهم صفقوا له ولصديقيه تصفيقاً شديداً ينم عن الحب والإجلال والإكبار‏

مجيد : لا عليك بتصفيقهم.. كل هذه مفبركة بشكل متقن لتبدو طبيعية أمام الوافدين من أجل زنكَنه الحقيقي‏

منير : هل تعني أن هناك زنكَنه آخر.. وإن الذي التقينا به هو زنكَنه الزائف؟‏

مجيد : لا أعرف.. لم أعد أعرف شيئاً مما يحدث منذ تلك الليلة الرهيبة.. لقد نسيت.. نسيت كل شيء فعلاً.. إلا أن ما نقله لي مدين عنكم أنعش ذاكرتي بتلك السلسلة من الأحداث الغريبة وأردت أن أفصح عما في داخلي فجئت إليكم‏

صباح : (بمرارة) لماذا نحن بالذات؟‏

مجيد : أحسست كما لو أن خيطاً رفيعاً يربط بيننا جميعاً.. وأقنعت نفسي أنكم لا بد و أن تكونوا على معرفة بما حدث قبل خمسة وعشرين عاماً‏

محي : كل الذي عرفناه هو أن ما رأيته أنت في خمسة وعشرين عاماً رأيناه نحن في ليلة واحدة.. ليلة لم تنقض بعد.‏

منير : كنت أنت الحلقة المفقودة التي نبحث عنها.. وإذ ظفرنا بها تبين أنها ليست الحلقة الوحيدة‏

صباح : بمعنى آخر (ابن أختي) حضورك خيب آمالنا‏

مجيد : أنا آسف من أجلكم جميعاً.. أما أنت (ابن أختي) فأنا أحمل لك شيئاً خاصاً‏

صباح : شيئاً خاصاً؟! ما هو؟‏

مجيد : بضع أوراق كلفني منير العبيدي بإيصالها إليك‏

منير : (بشكل آلي سريع) أهي ترجمتي لموضوعة استنسال البشر‏

مجيد : نعم بالضبط (موسيقى سريعة الإيقاع مختلطة بأصوات غريبة تنطلق بسرعة مع سرعة تبدل شكل المسرح وومضات الإضاءة أو حركة الضوء المتحرك (الفلو).. تستقر الإضاءة أخيراً فنرى صباح الأنباري جالساً على منضدته ممسكاً بقلمه وأمامه مجموعة من الأوراق وهو منهمك في الكتابة. يرفع رأسه وكأنه يحاور أحداً ما كان بقربه منذ لحظات‏

صباح : كان يمكن أن تفيدني هذه الترجمة في توسيع فكرة مسرحيتي الجديدة، هذه، عن استنسال البشر.. أما وقد أكملتها الآن.. فلم أعد بحاجة إليها.‏

 

( إظــــــــلام )‏

 

بعقوبة 1998‏


* بريكلي: فيلسوف وقس بريطاني. كان يؤمن أن العالم الخارجي مركب إحساسات ولا وجود للأشياء موضوعياً خارج الذات.‏