الرئيسةالمسرح الصامتنصوص جديدةفي نقد المسرحفي نقد القصةفي نقد الشعرحوارات

كتب عنيقالوا في الانباريEnglishاهداءاتببليوغرافيايوم المسرح العالميالنافذة المفتوحةسجل الزوار

مرحبا بكم في موقع الناقد و الكاتب المسرحي  صباح الانباري...                    آخر تحديث للموقع بتأريخ 15/10/2008 :          تم استحداث نافذة "اهداءات"    و     اضافة البوم صور الكاتب في النافذة الخاصة باللغة الانكليزية                 انتهى الكاتب مؤخرا من وضع اللمسات الاخيرة على مخطوطة كتابه "المقروء والمنظور" تجارب ابداعية محدثة في المسرحين العراقي والسوري...                     اخر نتاجاته من النصوص الجديدة نص "مقدمة من اجل شهوة النهايات"  وهي مسرحية قد يمثلها شخص واحد أو عدد من الشخوص بطريقتي التمثيل الصائت والصامت وهي مهداة الى صلاح العراقي وكل عراقي رأى بعض ما رآه صلاح...                    نقلت المترجمة بتول علي مسرحية الكاتب "متوالية الدم الثانية" الى اللغة الانكليزية ونشرت النص كاملا في مجلة كلكامش العراقية.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسرحية رؤيا الملك

متغيرات معادلة الرؤيا في رؤيا الملك

 

  

     " رؤيا الملك " (1) ملحمة درامية تحفر داخل النفس البشرية وتنقّب في خباياها مخترقة زمنها ومزيلة طبقات من التراكمات الغامضة الغائرة في عمق تاريخها لتربط ماضيها البائد بحاضرنا القائم .

ان زنكنه في هذه المسرحية ، كما في مسريحة (السؤال ) ورواية (هم ) (2) لا يكتفي بعنوان تعريفي واحد ، بل يتجاوز ذلك الى عنوانين مختلفين ومتشابهين . لقد جعل عنوان هذه المسرحية من شطرين متوازيين يفسر ثانيهما اولهما، ويتشكل الاول من مفردتين (رؤيا) و(الملك) وكلتاهما توحيان ، معا ، بحدوث فعل يؤثر ، سلبا او ايجابا ، في حياة الرائي . يعطف المؤلف على هذا العنوان عنوانا آخر هو:

(ماندانا وستافروب )

     وهو مكون من مفرديتن ، ايضا تترادفان مع مفردتي العنوان السابق وتتساويان وتفضيان الى المعادلة الآتية :

بما ان   ماندانا = الرؤيا     و     ستافروب  =   الملك

إذن     ماندانا    الرؤيـا     =   ستافروب         الملك

 

     يتساوى طرفا المعادلة ويتصلان بعلاقة مهمة تتبأر اطرافها حول نقطة هي موضوعة الرؤيا التي يفسرها الكاهن على ان طفلا يولد من رحم ماندانا ، شقيقة الملك ، يشب ويقوى وينتزع من خاله ، عرش امبراطورية ميديا العظيمة .

     المشهد الاول في هذه المسرحية ، كما في مسرحيات زنكنه الاخرى (السؤال – الجراد – كاوه دلدار ) مشهد تمهيدي يقدم لنا الشخصيات المحورية كالملك ستافروب والاميرة ماندانا والشخصيات المؤثرة بيانيا في تصاعد الخط الدرامي (كالكاهن خرنوك والقائد روستميرو وزوجة الملك ناسرونا ) اضافة للدلالات التي تبدو للوهلة الاولى ، غير ذات اهمية ولكنها ، في واقع الحال ، تعني الكثير من خلال ارتباطها بأحداث المشاهد التالية . فظهور الملك في مفتتح المسرحية " مثقلا بالطعام والشراب والنعاس " هو شفرة المتغيرات الاولى التي ارسلها زنكنه لتكشف لمستلمها ، فيما بعد ، عن وجود علاقة مهمة بين التخمة وبين الرؤيا من جهة وبينها وبين المأدبة الرهيبة التي دفعت الاحداث نحو الذروة فبلغت المسرحية ابشع انواع الذبح والتدمير من جهة اخرى .

     يرتبط الموقف الايجابي للملكة ناسرونا ، من الاميرة ماندانا وهو موقف يتقاطع مع موقف الملك .

 

   " ان الكثير مما يمور به صدري لا يسر سيدي الملك "

 

     بموقف آخر هو قيامها ، فيما بعد ، بتهريب ماندانا وطفلها الذي يريد الملك ذبحه كمتغير آخر ، يؤكد فيه على المصادمة المقصودة لبواعث الملك ستافروب والملكة ناسرونا مصادمة عنيفة دامية تؤدي ، في نهاية الامر ، الى موت المكلة على يدي زوجها الملك . واخيرا ترتبط التخمة ، ايضا ، بنوم الملك القلق المضطرب الذي يرتبط هوا لآخر ، بالوهم الكابوسي الذي يقض عليه مضجعه ويجسد له صورة الرؤيا الملحة التي بنى الكاهن عليها نبوءته المشؤومة ، فهي مثل حجر صغير ضرب وجه الماء فاتسعت دوائر حركته الموجية بشكل لم تعد الشخصيات قادرة على وقف اتساعه الذي سيؤدي حتما ، الى غايات تدميرية مأساوية . يقول الملك في رؤياه :

 

" اندلق الطين .. طين لزج دبق ، زحف نحوي على هيئة ضفائر او ثعابين سود          احاطت  بقوائم كرسي العرش هذا . وأخذ الطين يعلو ويعلو . بلغ ركبتي وانا في      جلستي هذه ، وبلغ منتصفي وهو لا يتوقف . لامس الطين الاسود القبيح الذي شابته حمرة قانية ،عنقي .. وامتلأ حلقي بطعمه النتن .. تقطعت انفاسي ، فرحت الهث وانا اوشك ان اختنق والتاج فوق رأسي يهتز .. كأن عواصف الدنيا وزوابعها .. تعصـف به .... " .

 

     هذه الرؤيا هي شكل متقدم للرؤيا التي سيطرت على ذهن الملك وخياله منذ سنوات عشر تحدد خلالها مسار تفكيره ، وتحجمت مساحة اهتمامه بشؤون امبراطورية ميديا ولم يعد يشغله شاغل الا تلك الرؤيا الملحة المهددة .. ان كل هذه الاسباب ونتائجها المحسوبة ادت بشكل ما الى تطور شخصية الملك ونموها دراميا على وفق المعادلة الآتية :

 

التخمة + النوم + الرؤيا = المأدبة

 

المأدبة باعتبارها حدثا مهما تغير بعده مساره الفعل الدرامي ، وادت الى المصادمة الاعنف والصراع الارهب بين شخصيات المسرحية التي توزعت على رقعة الصراع كمجموعتين غير متكافئتين : الاولى مهاجمة يقودها ملك ذو سطوة ونفوذ وقوة يساعده الكاهن (خرنوك) وعدد كبير من الجند . والثانية مدافعة قوامها ماندانا وروستميرو وناسرونا . لقد اعتمد زنكنه التناظر المشهدي بين فصلي مسرحيته (رؤيا الملك ) فجعل كلا الفصلين بستة مشاهد يتناظر الاول من الفصل الاول مع الاول من الفصل الثاني باعتبارهما عرضا لازمة الملك المتفاقمة جراء الرؤيا المتكررة . فمن ماء يتدفق من غرفة ماندانا يجعل قصر الملك يطفو مثل سفينة نوح الى طين لزج دبق يلتف حول قوائم كرسي العرش ثم يرتفع ليخنق الملك في الفصل الاول . الى كرمة تكبر من الاسطبل ، المكان الذي انجبت فيه ماندانا وليدها زانكون ، محطمة الحيطان والاسوار ومتشعبة في فضاء القصر مضيقة الخناق على الملك في الفصل الثاني . ويتناظر المشهد السادس من الفصلين ، ايضا ، بانتهاء كل منهما بجريمة قتل . الاولى يقتل فيها الملك زوجه ناسرونا والثانية يأمر فيها الملك جلاده لذبح شيرلانه ، ابن القائد روستميرو ليقدمه مطبوخا في مأدبة جزاء على مخالفة القائد اوامر الملك التي قضت بان يقوم روستميرو بذبح وليد ماندانا زانكون ليخلص الملك من كابوسه الذي راوده وما زال يراوده كل ليلة ، منذ عشرسنوات .

     هذه النبوءة وان تشابهت في جانب منها مع نبوءة سوفوكليس في (اوديب ملكا ) والجانب الخاص بتسليم الطفل الى راع قرب الجبل يقوم برعايته وتنشئته تنشئة سليمة . الا انها تختلف عنها في تشخيص من سيقتل بعد ان يكبر الطفل . ففي (اوديب ملكا ) ينتظر الكاتب حتى يصبح اوديب رجلا فيقتل اباه بينما وقع فعل القتل عند زنكنه على شخصية شيرلانه الصبي ابن قائد الجند . وهنا تختلف شدة القتل ،ايضا ، اي التوتر الذي يخلقه فعل القتل عندما يقع على صبي بريء  يذبح ويطبخ لحمه على يدي جلاد الملك ثم يقدم في مأدبة يقيمها الملك على شرف قائده روستميرو وبذا يكون التطور قد أنجز وفقا للمعادلة الآتية :

 

التخمة + النوم + الرؤيا = المأدبة + القتل

 

     وهذا التطور يفسر لنا سلبية اختيار العنوان الرئيس (رؤيا الملك ) أو (ماندانا وستافروب) والتأكيد على موضوع الرؤيا عبر مشاهد المسرحية كلها حتى تصبح موضوع الدراما المحوري . هنا يطرح السؤال نفسه : هل انتهت زوبعة الرؤيا بعد انتقام الملك من قائده روستميرو بذبح ابنه شيرلانه ؟ .. ويأتي الجواب من المسرحية نفسها ان الملك قد اشبع ، في ذاته رغبته الانتقامية وتوقه للقصاص من الجندي الذي لم ينفذ اوامره كما ينبغي ولكنه مع ذلك لم يشعر بانتهاء الزوبعة لانه يعرف معرفة يقينية ان خوفه الدائم على عرشه لن يزول الا بزوال الخطر الذي يتهدده ليل نهار . في هذا الموضع من المسرحية يتبادر لذهن القارئ ان المسرحية انتهت او انها ستنتهي لان الملك سيذبح زانكون ويتخلص بذبحه من فعل الرؤيا ومرارتها ورعبها وخوفها وسطوتها عليه . ولكن الملك يفاجأ كما يفاجأ القارئ ، ايضا ، باكتشاف زانكون حقيقة ما يجري داخل القصر فيهرب ناجيا بنفسه لينهار الملك ستافروب ويفيق القائد روستميرو في مختتم المسرحية موجها بصقة لوجه الملك فتأخذ المعادلة شكلها النهائي :

 

التخمة + النوم + الرؤيا  = المأدبة + القتل + الهزيمة .

 

----------------------------------------------

(1)               رؤيا الملك هي المطبوع الثاني عشر للكتاب المسرحي العراقي محيي الدين زنكنه صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة .

(2)               مسرحية (السؤال) او (حكاية الطبيب صفوان بن لبيب وما جرى  له من العجيب والغريب ) 1976 – رواية (هم ) او (ويبقى الحب علامة ) 1975م .  

 

*       *     *     *