سيرة قلم مداده نسغ الحياة

 

      كان صوت الرصاص يلعلع في كل مكان .. يئز في سماء (كاور باغي) .. ينشر الرعب .. يخترق الصدور .. وكان عويل النسوة وصراخ أطفالهن نذير مأساة كبرى .. كان الرصاص يلتهم الساحة والرجال .. وكانت الجثث تتهاوى مضرجة بدم الشهادة .. رصاص  وعويل ودم وموت .. تلك هي (كاور باغي) كما حفظتها ذاكرة صبي نشأ في رحم مأساة كانت تكبر في ذاته مثل كائن حي.. تمور بها .. تتقد مثل جذوة ثم لا تني تبحث لها عن منفذ لوجود متحرر .. وكان لزاما عليه أن يحقق ذلك الوجود ليحقق توازنا بين ذاته وبين العالم فاكتشف الكتابة .. كتب كثيرا ... ومزق كثيرا .. وجرب كثيرا .. وصمت بعد تلك (البدايات السعيدة ) كما اسماها كثيرا حتى جاء عام 1967 ليبتدئ الكتابة مجددا ، بأشكال تعبيرية يوحدها منهج خاص هو منهج الرجل الذي حمل للعالم ، على راحتيه ، روح (كاور باغي) وأنفاسها المدماة .

   لقد صار ينظر الى الكتابة منذ ذلك العام ، على أنها فعل للتغيير ومسؤولية إزاء الآخرين والوطن . ويرى "أن لا قيمة للكتابة التي لا تفعل شيئا .. التي لا تتحول الى فعل مغير للذات والمجتمع " فالكتابة عنده لا تعني نقل الحياة كما هي على الورق بل هي " عملية خلق جديدة لحياة تتحرك على وفق منطق جديد هو منطق الفن الذي يرفض كل شيء لا يحمل تبرير وجوده " وان هذه العملية (عملية الخلق) عنده محكومة بعاملي الاتصال والانفصال .. لأن في ذهن الفنان ، دائما ، وكما يقول في أحد لقاءاته المنشورة ، " واقعا آخر متخيلا متصلا بـ ، أو منفصلا عن ، الواقع المعيشي .  متصلا به لانه ينبع منه ومنفصلا عنه لانه يتجاوزه ويسقط عنه كل شيء لا يحمل تبرير وجوده . ولهذا فان واقع الفنان يشكل أعلى مراحل التكامل الجمالي للواقع وهو وان كان متخيلا إلا انه مصنوع من مادة حلم الفنان ومن معطيات وثقافة وحضارة عصره . وان إنزال أسس هذا الواقع على الأرض لن يتحقق بعيدا عن التغيير المطلوب الذي تحدثه الكتابة . و"من هنا فان الكتابة لا ترضى أن تكون مادة للقراءة حسب إنما هي إسهام في التغيير " ، ولكن محيي الدين زنكنه لا يلقي عبء التغيير كاملا عليها لانها في افضل أحوالها كما يقول تسهم ، فقط ، في إنضاج الشروط الموضوعية للتغيير . وكما ينظر الى الكتابة فانه ينظر الى المادة التراثية فلا يتخذ منها قلعة يتحصن فيها بدافع الغرور الشوفيني " دون فرز لما فيها من أخطاء واضطهاد بل يوجب " أن لا يستسلم للمطروح وان يحاول أن يخلق وجهة نظره الخاصة للمرحلة التاريخية التي يتناولها . هذه النظرة التي ينبغي أن تعرف القوانين العامة لتلك المرحلة واتجاه السهم في قوى الصراع ، كما يفرض على الكاتب أيضا أن يتحرر من النظرة السطحية ليصل الى مكامن التراث الخالد .

     إن أي كاتب يعتمد  التراث مادة فنية في كتاباته لا بد له ، من حيث المبدأ ، أن يأخذ الاعتبارات الآتية :

          نوعية المادة التراثية .

          مرونتها .

          إمكانيتها الترميزية .

          امتلاكها الزمن .

      فالتراث لا يمكن أن يكون برمته صالحا . ولهذا كان على الكاتب ، دوما ، أن ينتقي مادته التراثية اعتمادا على قدراته الفنية والفكرية – الايديولوجية ، وهذا هو قصدنا من النوعية . وان تكون للمادة التي انتقاها إمكانية تحويلية من قالبها الذي وجدت فيه الى أشكال أخرى وهذا ما قصدناه بالمرونة . ولكي لا تتوقف المادة التراثية عند حدود الفكر الذي ابتدعها فانه ينبغي أن تمتلك قابلية المؤائمة مع المدلولات المستجدة والمعاصرة .. واخيرا فان اللحظة الإنسانية التي أنجبت تلك المادة ، المنتقاة ، لابد وان تكون قد قذفت بها في رحم الزمن فامتلكت مبرر نموها وبقائها وقدرتها على محاكاة أفكار ومشاعر الناس على مر العصور .. إذ لا بقاء للمادة التراثية خارج مقومها الإنساني ذلك لانه يشكل القوة الوحيدة التي تمكنها من الزمن .. على هذا الأساس وعلى اعتبار أن طريقة التعامل مع التراث تتحدد (بالموقف العام للكاتب المستند على واقعه ) اختار زنكنه مادته التراثية من حكايات ألف ليلة وليلة (حكاية الخياط والأحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع بينهم ) لتكون لبنة لمسرحية (السؤال أو حكاية الطبيب صفوان بن لبيب وما جرى له من العجيب والغريب ) ... واستقرأ أحداث مسرحية (كاوه دلدار) من الموروث الشعبي الكردي كما استقى أحداث (رؤيا الملك ) من تاريخ مملكة ميديا أول مملكة للكرد .

     لقد ولد زنكنة من عائلة كردية عام 1940 في (شاطرلو بكركوك) حيث يتداخل فيها العرب مع الكرد والتركمان والاثوريين والارمن .. ناهيك عن انه درس العربية ، حين دخل جامعة بغداد عام 1958 ، واطلع من خلالها على الثقافة العربية والأجنبية حتى صارت العربية جزءا ، آخر ، لا يتجزأ من كيانه .

     إن التداخل السيكولوجي بين شخصيتي الكردي والعربي وصفاتهما وثقافتهما خلق لديه شخصية جديدة بملامح جديدة اكثر إنسانية واكثر رسوخا في الوجدان العام .. وان هذه الشخصية الجديدة هي التي خلقت مجموعة (كتابات تطمح أن تكون قصصا ) وسائر مسرحياته ورواياته .. يقول الأستاذ الكبير علي جواد الطاهر عن تلك المجموعة (أنها لقصص فيها ما يفوق ما كتبه آخرون مصحوبا بادعاء طويل ... وتمتاز بوعيها الفكري وتماسك بنائها وسلامة شخوصها ) وكتب الأستاذ الناقد حسب الله يحيى قائلا :

(إن محيي الدين زنكنه يمتلك مشروعا لكل قصة ، لكنه ينجزها على نحو نهائي وعلى وجه من يرى أن أوان تناول الأحداث التي يقدمها قد صارت تقليدية الى حد كبير لذلك قدمها كـ(كتابات) فيها شيء كبير من فن القصة وفيها أشياء نحسها ونتلمسها في صدق المعنى الذي يريد الكاتب توصيله إلينا .. زنكنه يتعامل مع الواقع بخبرة ودراية ) ومن هنا يمكننا القول أن تركيبة زنكنه الشخوصية والثقافية هي التي جعلت اهتمامه بالفرد ليس اقل بكثير من اهتمامه بالمجتمع .. وهو لهذا يقاوم الفردانية في شخوصه لانه يفهم فهما موضوعيا ( إن الإنسان هو مجموع علاقاته بالآخرين وهو فهم نابع من روح هي في الأصل روح واقعية تتفاعل مع الإنسان لا في حالة سكونيته ولكن في حالة حركية علاقاته الإنسانية بمعنى أنها ضد الكيان المنعزل ) . انه ينظر الى شخوصه على انهم العنصر الأكثر فاعلية وتأثيرا في مجرى الصراع ، فهم وان كانوا مأخوذين ، برتابتهم المعهودة ، من الواقع ، إلا أنهم مختلفون في نصه ومغرّبون عن الواقع .. إنه ينظر إليهم باعتبارهم كيانات مستقلة .. أي أنه يتركهم ليحققوا ذواتهم المنعزلة لا عن طريق الارتكان الى الوحدة والانعزال عن الآخرين بل عن طريق الانصهار والاندماج في حركية العلاقات الإنسانية .. إنهم منتقون من الواقع ، أو مأخوذون من التراث أو مبتكرون من الذهن .. وسواء أكانوا هذا أو ذاك فانه يخضعهم لامتحان عسير يؤهلهم أخذ مواقعهم على رقعة الصراع .. وهو حريص على زجهم في الواقع الذي يصنعه من مادة حلمه ككاتب فيعتصرهم ذلك الواقع .. ويعمدهم بجحيمه ثم لا يني يدخل كل منهم مختبره ليواجه تجربته بكل ما فيها من قسوة وعنف ونشوة حتى تسقط عن كل منهم رتابته واعتياديته . شخوصه ، إذن ، لا يتمتعون بالبطولة ولكنهم يرومون الوصول إليها .. إنهم أناس اعتياديون بمعنى انهم ليسوا قوالب جاهزة للبطولة وانهم لا يرثونها بل يصلون إليها بالعمل والمغامرة وان نصوصه ليست معرضا لبطولاتهم قدر ما تجهزهم لها .. لقد حرم زنكنه ، منذ طفولته من حرية التعبير عن ذاته بسبب ظروف ذاتية وموضوعية ، فمنح تلك الحرية لشخوص قصصه ورواياته ومسرحياته .. ولقد ذاق مرارة الحرمان من أول حق من حقوق الطفولة فمنح نفسه كل شيء في الكتابة ... ولقد عاش مع والدته في غرفة مظلمة لا يكاد المصباح يتوهج فيها حتى يطفئ بأمر أبيه ، فمنح شخوصه نور الحياة .. لقد ذاق مرارة الحرمان والظلم والجبروت والكبرياء فعزم على أن تكون شخصيات كتاباته مثابرة على تحقيق ما حرم منه يومذاك .

     أما الصراع ، عنده ، فانه يأخذ وجوها مختلفة .. فقد يكون صراعا داخليا متمثلا في صراع الشخصيات مع نفسها ، في مونولوجات طويلة أو قصيرة مشبعة بأفعال حركية وأخرى انفعالية أو تدميرية تكسب خطابه المسرحي صنعة درامية خالصة تزيح من أمامها الصفات السردية ولكن دون أن تلغيها لأنها تلتقي معها في بنية واحدة هي بنية الأفكار كما في نصوصه الدرامية بشكل عام ( لمن الزهور ، العلبة الحجرية ، الأشواك ) ، ونصوصه المونودرامية بشكل خاص ( مساء السلامة أيها الزنوج البيض ، تكلم يا حجر ) ، في المسرح .. أما في القصة فانه يقوم بتغليب قواعدها وشروطها على قواعد الدراما وشروطها .. بمعنى انه يطوع عناصر الدراما لبلورة خطابه القصصي وبهذا تكون القصة ، عنده ، اكثر ميلا الى السردية منها الى الدراما كما في قصة (الشمس .. الشمس ، اضطراب في ألوان النهار ) . وقد يكون الصراع خارجيا متمثلا في صراع الشخصيات بعضها مع بعض كما في (الجراد ،السؤال ، كاوه دلدار ) في المسرح و ( السد يتحطم ثانية ، سبب للموت .. سبب للحياة ) في القصة .. أو قد يكون الصراع مع قوى قدرية تقع خارج ذواتها كما في (رؤيا الملك : العقاب ) في المسرح و(قصة تقليدية جدا) في القصة .. وبما أن الصراع يحتاج الى مصادمة البواعث مع الشخصية في القصة القصيرة وان الصراع فيها صراع داخلي .. لذا فان الحوار هو الأداة الناجعة في بيان ذلك الصراع .. ولما كان من المؤكد أن الصراع والحوار هما عنصران من عناصر الدراما لذا فان المبالغة في استخدامهما في القصة القصيرة والرواية ستؤثر سلبيا على صفتها القصصية/ الروائية وتقربها من الصفة الدرامية .. وعلى الرغم من أن بعض منظري القصة القصيرة قد أكدوا على ضرورة استخدام الحوار في القصة إلا انهم أكدوا في الوقت ذاته على عدم الإسراف  في استخدامه .. ولعل ميل محيي الدين زنكنه إليه نابع لا من رغبة اسرافية ولكن من منهجية تروم تسخير العناصر الدرامية لخدمة نصوصه القصصية .. حتى أننا لا نجد قصة من قصصه تخلوا من الحوار .

     بديهي أن الحوار في القصة كما في الدراما يحتاج الى كلام مع فارق أن الكلام في القصة مقروء لا منطوق ، وان الكلام لا ينبغي أن يكون من حياة الشخوص الواقعية لان حياتهم في القصة محكومة بعنصري الإيجاز والتركيز والوقت والمساحة ، وهذا يعني أن لا بد للكاتب من تقنينه وتشذيبه وتقديمه بأسلوب مغاير للواقع .. فنحن في القصة أو في المسرحية لا نحتاج الى أن نجعل الشخصية تقول كل شيء .. ولكننا نحتاج أن نجعلها تقول الشيء الذي نريد إيصاله حسب .. ومحيي الدين زنكنه يريد من الحوار الكشف عن أفعال الشخصية لا عن أقوال الراوي ، يريد منه أن يعرفنا على حالة البطل الداخلية بدلا من أن يترك السرد يخبرنا عن حالته من الخارج وهذا ما أراده لسائر قصصه وثابر على تحقيقه فيها حتى صار عنصرا من عناصر منهجيته الثابت منذ البداية .. إن استخدام الحوار في القصة والرواية لا يخلو من صعوبات قد تكون عائقا يحول دون استخدامه  بنجاح واكبر تلك المعوقات تكمن في أن الحوار في القصة القصيرة وحتى في الرواية ينبغي أن لا يأخذ له إيقاعا مغايرا لإيقاع السرد والا بدت القصة، أو الرواية مليئة بالايقاعات غير المتناغمة مع خطها العام  .. أما في المسرحية فأننا نستغني عن هذا كله إذ ليس هناك سرد قصصي ولكن هناك ملاحظات قصيرة يمكن حتى الاستغناء عنها أو بثها في سطور الحوار . إن محيي الدين زنكنه وهو الكاتب المسرحي الناجح يتجاوز تلك المعوقات بيسر حتى يبدو وكأنه درس حواره دراسة لم يغفل صغيرة فيها ولا كبيرة .. انه يوائم بين الحوار وبين الشخوص والسرد عبر لغة مشتركة هي لغة الكاتب المسرحي المجرب . وهو من القلائل الذين يجيدون هذه اللغة وفصيحها.. ويؤمنون ايمانا كبيرا بقوتها .. وقراءات سريعة لمسرحيتي (الأشواك ) و (لمن الزهور) على سبيل المثال لا الحصر ، تكشف مدى القدرة الهائلة لهذا الكاتب في استخدام هذه اللغة الدرامية التي صار يعرف بها ويتميز بواسطتها على سائر كتاب الدراما العراقية والعربية .. وهي لغة مشتركة تزاوج بين الأدب والدراما .

     لقد استطاع زنكنه أن يطوع الأدب للمسرح وان يستفيد من المسرح في بناء القصة والرواية وقد أدى هذا الى آن تدخر نصوصه القصصية طاقات درامية كامنة حالما يصار الى تحريرها فأنها تتحول الى أعمال مسرحية كبيرة مثل ( الجراد ، الرجل الذي امتهن دراسة الكائنات البشرية ، الكلب العجوز مغمض العينين ، صراخ الصمت الأخرس ، الإجازة ) فقد تحولت الأولى ، على يديه ، من قصة قصيرة ، وهي من بواكير أعماله القصصية ، الى رائعة مسرحية كبيرة نالت جائزة الكتاب العراقي في المربد 1970.. وتحولت الثانية الى عمل مسرحي تجريبي قام بإعداده للمسرح صباح الانباري وقدمته فرقة نقابة الفنانين / ديالى عام 1995 ضمن مهرجان أدب الشباب الذي أقامه اتحاد الأدباء بالتنسيق مع كلية المعلمين في ديالى .. الثالثة حولها الفنان محمد حسين حبيب الى عمل تجريبي قدمته بنجاح كبير فرقة نقابة الفنانين / بابل ضمن مهرجان بغداد المسرحي الثالث تحت عنوان ( قسوة ) ونالت جائزة افضل نص معد .. أما الرابعة فقد تحولت الى عرض مسرحي أخرجه لفرقتي مسرح اليوم والشعبي الفنان الدكتور عوني كرومي وقدم على مسرح الستين كرسيا في بغداد واعيد عرضها في العاصمة الأردنية عمان .. وكذا حال اغلب قصصه الأخرى .. يقول الأستاذ الناقد يأسين النصير عن زنكنه الكاتب انه " واحد من الكتاب الذي طوعوا الأدب للمسرح واستفادوا من المسرح في بناء القصة والرواية وأنت تقرأ ما يكتبه في الأنواع الأدبية كلها تجده قاصا في المسرح ومسرحيا في القصة " .

     نستنتج من هذا كله ، أن محيي الدين زنكنه يفهم ، وهذا مهم جدا ، الكيفيات التي تعمل على نقل هذه العناصر وتحويلها الى حيز أخر بغية تغليب حركية الفعل على سكونية السرد ولعل من الأهمية بمكان أن أورد مثالا تطبيقيا أوضح من خلاله تلك الكيفيات التي طوع بها زنكنه قدرته الدرامية لخدمة أحد نصوصه الذي يعد مشروعا قائما أمام الكاتب أو المعد المسرحي لتحويله الى دراما كبيرة .. ففي قصة (السد يتحطم ثانية ) وهي إحدى قصص مجموعته الأولى ( كتابات تطمح أن تكون قصصا ) اختار ومنذ السطر الأول منها (ثيمة) وفرت دخولا مناسبا لعالمها .. وكشف عن مدى العلاقة وهي علاقة صراع (الصراع عنصر درامي ) بين الشيخ والمختار بوصفهما قوتين متآلفتين سقط أثر التحطم عليهما من جهة وبين الفلاحين كقوة محطمة من جهة أخرى ... لقد استطاع زنكنه باختياره ( ثيمة ) كهذه أن يحدد لقصته مكانها و زمانها وحدثها والحالة التي تحكمها :

 

قال صاحب المزرعة لمختار القرية .................

 

المكان

 

ونبرة استياء تسري في صوته ......................

 

الحالة

 

  السد يتحطم ثانية  ................................

الحدث

ولما يمض على إقامته سوى يومين ................

 

الزمان

 

  

    يقول (رست هيلز ) : إن ما يجب أن تفعله بداية القصة ...

ما تفعله بدايات اغلب القصص القصيرة الحديثة والناجحة عادة هو البدء بذكر (ثيمة) القصة من السطر الأول . ويمكن أن يتم هذا بقليل من الوصف يراد به أيضا تثبيت مكان وزمان الحدث والحالة النفسية التي تحكم القصة ..وبما أن ( ثيمة ) زنكنه قد استوفت الوحدات المشار اليها لدخول عالم وصراعات أية قصة قصيرة حديثة فانه يبدأ موضوع قصته " من اقرب نقطة الى الوسط ممكنة " ونحن لا نرى اقرب الى هذه النقطة ولا افضل تمهيد اليها من كشف الكاتب سلسلة الأفعال التي قام بها المختار قبيل التقائه بالشيخ صاحب المزرعة .. أما الشيخ فقد دأب على أن تداهمه حالة الضيق ليكون منذ تلك الحالة قد دخل في فعل القصة الممهد لصراعها .. ولا غرابة في أن تعقب دخوله سلسلة من هجمات مستمرة تقابلها سلسلة من دفاعات مستمرة يمكن جدولتها عموما على ثلاثة محاور مستمرة وكما يأتي :

 

المحور الأول

الشيخ

هجوم

المختار

دفاع

المحور الثاني

المختار

هجوم

الفلاحون

دفاع

المحور الثالث

الفلاحون

هجوم

الشيخ والمختار

دفاع

 

وقد جعل زنكنه أول المحاور مرتكزا على دعامتين أساسيتين تتمثل أولاهما بجملة الشيخ الاستهلالية " السد تحطم ثانية "   وتحقق معنيين أحدهما ظاهر ، وهو الإصرار على تحطم السد (ثانية) ، وثانيهما مستتر أراد به تأنيب المختار لعجزه عن حمايته كما مطلوب منه وهي في النهاية تمثل جملة هجوم الشيخ .. المختار من جانبه يدرك ما وراء الكلمات فيصمت .. وحين يصرخ به الشيخ غاضبا " أليس لديك ما تقول " يرتبك ويتردد قبل أن يعترف بأنه عاجز حقيقة عن حماية السد .. وإذا اعتبرنا جملة " السد  تحطم ثانية "بمثابة الأداة التي هاجم بها الشيخ والمختار فان جملة المختار " لا ادري ماذا أقول...ولا ماذا افعل" هي الأداة التي دافع بها المختار عن نفسه دفاعا وان كان ضعيفا ومربكا لكنه بين أن كفة المختار تتقارب ، إن لم تكن تتكافأ مع كفة الشيخ .. بمعنى آخر أن الكاتب عمل على تحقيق الموازنة المشهدية أي انه ، وبلغة المسرح ، وضع الشخصيتين على منطقتين مهمتين ومتناظرتين على الخشبة لكنهما مختلفتان من حيث القوة .. ثم انه دمج تينك القوتين ببعضهما ليهيئهما الى خوض الصراع التاريخي الأهم وبهذا يكون قد ربط بين المحور الواحد والذي يليه ربطا دراميا يأخذ من خلاله الفعل وعبر الخط الدرامي المتصاعد بيانيا نحو ذروة الصراع الذي أفرغه زنكنه في شكل اقرب الى الدراما  المسرحية منه الى القصة القصيرة لتوافر عناصر الدراما فيه كالصراع والذروة والحوار ووحدة المكان (الديكور) والتوزيع الفني للكتل المتصارعة على رقعة هي اقرب الى أرضية الخشبة منها الى فضاء القصة القصيرة .

         في المحور الثاني لا يقوم زنكنه باستمرار تصعيد الصراع تصعيدا مطردا لانه لم يمنح القوة المهاجمة ثقته ولانه وضعها أمام طرق وعرة وفرض عليها (أن ) لكي يستطيع ، عن طريق المناورة بها أن يرجح كفته بالصراع :

" إنه بيننا .. إنه عمل لا يليق بنا .. من منكم يمكن أن يقدم على هذه الفعلة النكراء .. لابد وان يكون خائنا .. صحيح أن السد يحول المياه الى المزرعة الكبيرة ولكن على من تعود خيرات ومنافع هذه المزرعة ..؟ ".

بينما جعل الفلاحين يستخدمون الأداتين : (لا) لتخفيف الهجوم وقوته ورد التهمة عنهم .. و( لم) ليستطيع الكاتب في النهاية أن يغير في مواقع القوى المتصارعة فلو اكتفى الفلاحون برد التهمة بـ(لا) دون استخدام الجزم في بعض المواقع ، ولو مرة واحدة ، فانهم يفشلون فيما بعد باحتلال الموقع ، الذي أراده لهم زنكنه والذي منه يشنون هجومهم الماحق والأكيد .. وعموما يمكننا أن نحدد موقف المختار ، وهو الأقوى ، بانه موقف من يوجه التهمة ويعقلن مبرراتها ، وان موقف الفلاحين وهم الأضعف في هذا المحور ، بانه موقف رد فعل التهمة وعقلنة ردود أفعالهم ... وفيما بعد هذا التوجيه والرد والعقلنة يأخذ زنكنه  بتصعيد الصراع مبتدئا من رد الفلاحين التهمة التي أراد بها المختار إدانة (خورشيد ) "ليس هو .. ليس هو " ومن صرخة (شيركو) القوية وهو يرد على استفسار المختار عمن حطم السد بقوله "كلنا" وتبعه الآخرون "كلنا...كلنا) إن هذه الـ"كلنا) أرادها زنكنه أن تكون بمثابة الإنذار المبكر للشيخ والمختار لأعلامهما أن مواقع الصراع قد تبدلت فعلا وان ميزان القوى قد بدأ يميل بكفته لصالح الفلاحين .. للإرادة الجمعية وان عليهما أن يستسلما لهذه الإرادة الفاعلة .

      في المحور الثالث ، وبعد تبدل مواقع القوى الذي مهد له زنكنه منذ محوره الثاني ، منذ صرخة الفلاحين " كلنا "" فرض على الشيخ والمختار أن يتحولا شيئا فشيئا الى الدفاع . بل انه جعلهما يكتشفان ، على وفق منطقه ، أن لا خيار لهما في التحول بشكل كامل الى الدفاع خصوصا وان الفلاحين قد بدأوا ، ومنذ بدء المحور ، الهجوم الواثق الأكيد الذي لا محالة سينتهي الى الغرض الذي حدده سير الأحداث بمحض اختياره وقدرته ، والذي سوف يتجلى في إزالة السد من الوجود واندفاع المياه لتغمر المزارع كلها .. إن هذه الصرخة التي يطلقها الكاتب في ختام قصته ، وبتأكيد يدلنا عليه تكرار الكلمة هي (الثيمة) الأخيرة التي مهد لها منذ تحطم السد ثانية وهي غرضه المطلوب الذي حدده في النهاية بقليل من الإيضاح ، لانه يدرك تماما أن القصة المعاصرة لا تحتاج في نهايتها الى الإكثار من الايضاحات كما تحتاجه بدايتها ... إن الإصرار الكامن في رحم القصة الاستهلالية (السد يتحطم ثانية ) هي النذير والبشير بما سيؤول اله مصير السد .. وما بين الثيمتين الأولى والأخيرة ، تتساوق بنى الصراع لتشيد  جسرا ينقلنا زنكنه عبره بليونة الى الضفة التي أرادها أن تكون المستقر الأخير لقصته وبهذا يكون قد طوع الصراع (وهو عنصر درامي ) أيضا لتعزيز الصراع وبيان المواجهة المباشرة (مصادمة بواعث الشخصيات وغاياتها )    بشكل يؤكد انه استطاع ، على الدوام ، أن يطوع الأدب للدراما والدراما للقصة والرواية فكان بحق قاصا في المسرح ومسرحيا في سائر قصصه واعماله الروائية .

     عام 1962 تخرج في جامعة بغداد – كلية الآداب .. وبعد مرور سنتين على تخرجه ، وعلى وجه التحديد عام 1964 ، عين مدرسا للغة العربية في (خانقين) وفي عام 1967 وخزت الضمير العربي نكسة الخامس من حزيران فتضخم الشعور بالإحباط والهزيمة وكاد جيل الانتفاضة يضيع بين ركام هائل من الزيف والأكاذيب والافتراءات والافتراضات والتشويه والتزوير لولا صحوة القلم وصرخة الفكر ووقوف الخيرين من الكتاب والمبدعين وقفة تجلت أهميتها في بلورة الوعي الوطني وتصعيد الإحساس بالمسؤولة إزاء الأرض والوطن .. وكان زنكنه واحدا من أولئك الذي سجل لهم التاريخ الأدبي حضورا تجسد في أول عمل له مسرحية (السر )عام 1968 التي طرح فيها القضية الفدائية بأسلوب واقعي .. إن انتكاسة الخامس من حزيران دفعت زنكنه الى مواقع اكثر ثورية في الكتابة واكثر علمية في المعالجة فكتب قصة (الموت سداسيا ) بشكل يغلب عليها الطابع الدرامي أيضا ، فكانت دالة أخرى على الرفض والتمرد والنهوض من واقع الانتكاسة الى تجاوز ذلك الواقع .. ثم أضاف الى (السر) و (الموت سداسيا ) رائعته المونودرامية       ( تكلم يا حجر) والتي كثر الجدال والنقاش حولها في مهرجان بغداد للمسرح العربي عام 1989 حتى انقلب الى معركة حامية الوطيس ليس لها سابقة في أروقة المهرجانات المسرحية السابقة . لقد أراد زنكنه لهذه المسرحية أن تكون  شيئا صغيرا يحاول أن يقتحم الواقع القاسي الكبير الذي ترسب وتكلس منذ اكثر من أربعين عاما ، والذي اخذ يتململ ويتحرك ويتغير نحو الأفضل بعفوية الفعل الإنساني وبراءاته وعفته أيضا " ويقول عن حجره " انه عقل يفكر وفق ما يريد (هو) لا وفق ما يراد منه . ولسان يتكلم باللغة التي يريدها لا باللغة التي تفرض عليه " . لقد استطاع زنكنه أن يكون في هذه المسرحية متميزا كما هو دأبه دائما ، وان يحصل على جائزة المؤلف المتميز لتميزه في تأليفها خلال الموسم المسرحي 1989-1990 .أما محطته الأكثر أهمية في رحلة الكتابة والتأليف ، فهي رائعته الأوسع انتشارا مسرحية (السؤال) التي تخطت حدودها الإقليمية لتجسد برؤى مختلفة على مسارح مصر والجزائر وتونس والكويت والإمارات بعد أن نالت في الموسم المسرحي العراقي 1975-1976 جائزة احسن نص عراقي .. ونظرا لضخامة هذه المسرحية وأهميتها من الناحيتين الفنية والفكرية فقد كتب عنها ما يزيد على الستين مقالة نقدية ودراسة توزعت على الصحف والمجلات العراقية والعربية .

     إن زنكنه حريص ، دائما ، على حضور التمارين النهائية لأعماله المسرحية وهذا جعله يطلع عن كثب على علل المسرح وصعوبات العمل على الخشبة ومعاناة الممثل ، ويمتلك القدرة على تجاوز تلك العلل والصعوبات والمعاناة ولكنه مع ذلك لم يتجاوز كل تلك العقبات فقد ظلت بعض نصوصه ، خاصة المونودرامية منها ، مزدحمة بالاستطرادات الكثيرة التي تقلل من حركية الفعل الدراماتيكي على الخشبة وتشغل المخرج بعمليات الحذف والاختصار والتقنين بما يتلاءم والإمكانيات المتاحة له ضمن حدود النص الدرامي ... لقد استأثرت نصوص زنكنه باهتمام المخرجين والمخرجات حتى بلغ مجموع من تعامل معها منهم اكثر من خمسة وعشرين مخرجا ومخرجة .. تقول الناقدة نازك الاعرجي : " إن استمرار اهتمام المخرجين ، من مختلف الأجيال ، بنصوص الكاتب انما يعود في الأساس الى صلابة ووضوح المنطلقات الفكرية للنصوص التي هي منطلقات الكاتب .. الأمر الذي عمل ، دائما ، على إرساء علاقة ثقة تجعل اختيار نص لزنكنه أمرا  باعثا على الطمأنينة الشخصية لدى المخرج وهذا يفسر استمرار اختيار المخرجين وبخاصة الشباب منهم ، لنصوص الكاتب وعلى وجه الخصوص للمشاركة في المهرجانات والملتقيات المسرحية " .

     لقد حظيت نصوصه ، أيضا باهتمام النقاد والدارسين حتى بلغ مجموع ما كتب عنها مائة وست وسبعون مقالة ودراسة .. واهم من هذا كله انه حصد افضل ما يمنحه العراق من الجوائز في المواسم المسرحية 1969-1970   و 1975-1976  و 1979-1980  و 1982-1983   و 1989-1990 .

ونال شهادات تقديرية من وزارة الثقافة والأعلام عام 1988 ومن نقابة الفنانين / المركز العام وفرقة المسرح الشعبي عام 1987 وكرم في مهرجان منتدى المسرح الثالث عشر عام 1997 بوصفه رائدا من رواد المسرح العراقي واخيرا نال جائزة الدولة للإبداع عن مسرحيته (رؤيا الملك ) عام 1999 .

     إن زنكنه , وعلى الرغم من كون المسرح هاجسه وشاغله الأول ، يدخر جزءا من طاقته الإبداعية لكتابة الرواية بين آونة وأخرى ، حتى انه أضاف الى المكتبة العراقية والعربية ثلاث روايات مهمة .. ففي عام 1975 صدرت له عن مطبعة دار الساعة روايته الأولى ( ئاسوس) .. وفي عام 1977 وعن منشورات اتحاد الكتاب العرب في دمشق صدرت روايته الثانية (هم) .. والثالثة (بحثا عن مدينة أخرى ) .. وكما حظيت أعماله المسرحية والقصصية باهتمام متزايد من لدن الكتاب والدارسين حظيت رواياته الثلاث باهتمامهم أيضا فكتب الأستاذ ناجح المعموري عن (ئاسوس) يقول : " إن رواية محيي الدين زنكنه "ئاسوس  عمل توفرت له الإمكانات التي حقق من خلالها النجاح في آن يصبح غنيا بحب الناس والخوف عليهم " وعن رواية (هم) كتب أحد النقاد يقول : " إن جمال رواية (ويبقى الحب علامة ) يأتينا من الدفاع الحار عن حرية الإنسان في أن يحب ويقاوم ويموت عندما يكون الليل قائما أمامنا " وكتب الأستاذ عبد الله إبراهيم الشيخ ، في مجلة الموقف الأدبي السورية 1996 ، عن شخوص هذه الرواية في معرض دراسته الموسومة (لماذا يبقى الحب علامة) أن " الأشخاص داخل الرواية منتقون بعناية فائقة تتشابك أدوارهم تتكامل بشكل مدروس ليؤدوها داخل الرواية " . ونشط زنكنه في مجال المقالة ، أيضا ، حتى بلغ مجموع مقالاته من عام 1968 وحتى عام 1987 اكثر من خمسين مقالة موزعة ، على ثلاث عشرة مجلة وصحيفة . إن محيي الدين زنكنه ، قبل هذا وبعده ، إنسان الصدق والصداقة والأمانة والمحبة والوفاء والكبرياء والتواضع ... يقول الأستاذ الكبير علي جواد الطاهر " محيي الدين زنكنه " أديب غير مجهول لدى الخاصة وتواضعه من العوامل التي حالت دون الشهرة . ويكفي أن اقتحم ميدان المسرحية ونجح بما شهدت له المسارح والفرق والنقاد " .

     انه مسرحي متألق ، قاص مبدع وروائي مجيد ومؤلف قدير ..انه ......... محيي الدين زنكنه .

*    *    *    *