الرئيسةالمسرح الصامتنصوص جديدةفي نقد المسرحفي نقد القصةفي نقد الشعرحوارات

كتب عنيقالوا في الانباريEnglishاهداءاتببليوغرافيايوم المسرح العالميالنافذة المفتوحةسجل الزوار

مرحبا بكم في موقع الناقد و الكاتب المسرحي  صباح الانباري...                    آخر تحديث للموقع بتأريخ 15/10/2008 :          تم استحداث نافذة "اهداءات"    و     اضافة البوم صور الكاتب في النافذة الخاصة باللغة الانكليزية                 انتهى الكاتب مؤخرا من وضع اللمسات الاخيرة على مخطوطة كتابه "المقروء والمنظور" تجارب ابداعية محدثة في المسرحين العراقي والسوري...                     اخر نتاجاته من النصوص الجديدة نص "مقدمة من اجل شهوة النهايات"  وهي مسرحية قد يمثلها شخص واحد أو عدد من الشخوص بطريقتي التمثيل الصائت والصامت وهي مهداة الى صلاح العراقي وكل عراقي رأى بعض ما رآه صلاح...                    نقلت المترجمة بتول علي مسرحية الكاتب "متوالية الدم الثانية" الى اللغة الانكليزية ونشرت النص كاملا في مجلة كلكامش العراقية.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مسرحية السر

المقاومة والموت والبطولة المتحققة

 

     إذا كان من الممكن عد مسرحية (الإشارة ) ، جزءا من (البدايات السعيدة ) ، لمحيي الدين زنكنه فان مسرحية ( السر) ، تعد بحق البداية الحقيقية الأكثر نضجا وتطورا من الناحيتين الفكرية والفنية . (فالإشارة ) مسرحية قصيرة تناولت جانبا من جوانب شخوص هم في الواقع رموز واضحة للصوصية نظام قائم على أساس الابتزاز والرشوة والاستهتار بحقوق المواطن ( فالدركي ) على سبيل المثال مكلف ، بحكم المنطق الظاهر ، بحماية الناس وحراسة ممتلكاتهم . ولكنه يتساوى في الواقع ، كما في المسرحية ، مع اللص عندما يتواطأ معه على سرقة الناس ونهب ممتلكاتهم .  (واليوزباشي) يغض النظر عن شكوى مواطنه ، الذي ابتزه الدركي في الطريق المؤدية الى المستشفى بالقوة ، بعد أن دس في جيبه عددا من الليرات .  و(الحارس) ، يفضح، من خلال البوح بمعاناته ، زيف النظام وتهرئه عندما تزامنت خفارته الليلية مع خفارة (الدركي ) .

     وإذا كان لا بد من تقييم عام لهذه المسرحية فإننا نقول أنها على الرغم من بساطتها وصدقها وجرأتها ، ظلّت تعاني ضعفا واضحا في إمكانيتها على إبراز العناصر الأكثر أهمية للدراما المسرحية . ولكنها مع ذلك احتفظت بأهميتها من حيث أنها حملت ، في أعماقها ، بذرة زنكنه الحية وجنينه الذي  سوف تكتمل ملامحه ، بعد ثلاث سنوات في مسرحية كان قد أسس لها منذ عام 1967 ، إثر (الخضة) الرهيبة التي خلقتها نكسة الخامس من حزيران ، ووضع آخر صياغة لها في (السر) عام 1968.  ولم تكن هذه المسرحية بأقل تواضعا من (الإشارة ) ولكنها يقينا كانت اكثر تميزا من حيث رصانة وتماسك بنائها الدرامي ، واعتمادها وحدة وصراع الأضداد . فهي على وجه العموم ، وعلى مدى 159 صفحة من  القطع المتوسط ، عرضت لنا قوتين متناقضتين متناظرتين . احتلت الأولى منهما نصف المسرحية الأول( 70 صفحة ) بينما احتلت الأخرى ما تبقى من المسرحية حتى صفحتها الأخيرة . تميزت الأولى بتفوقها الكتلوي إذ ضمت كلا من الضابط (حاييم) والفراش(عجنون) والعريف وعددا من الجنود و(المستر جيمس) ، وهو خبير منتدب من قبل المخابرات المركزية الأمريكية لأغراض انتزاع الاعترافات من رجالات المقاومة ، بينما اقتصرت الأخرى على شخصيتين هما (محمود ومصطفى ) . وبقدر ما امتازت به القوة الأولى من غدر وإرهابية وقسر امتازت الأخرى بالأقدام والصبر والجلد والإيمان بالفكر والقضية ، ولقد استطاع زنكنه من خلال التوزيع الكتلوي للقوة الأولى واحتلالها مساحة أوسع من جغرافية المكان ( الخشبة ) أن يؤكد أن القوة ، أية قوة ، لن تستطيع أن تطفئ وهج فكرة رائعة تجذرت في أعماق إنسان مهما تعددت أساليب تلك القوة ومهما ازدادت عنفا وإرهابا وشراسة ولكنه في الوقت ذاته  اخطأ إذ جعل الضابط (حاييم) على درجة كبيرة من الجبن والخوف والانهيار والغباء لان الضابط (حاييم) ليس ضابطا مجردا في المسرحية بل هو حالة من حالات الفاشية معبّر عنها بردود أفعال تدميرية . وهو قوة ترعرعت ، كما تخبرنا المسرحية ، وأتقنت ، على أيدي خبراء المخابرات المركزية ، فنون الإرهاب والقسر والتنكيل . وكان الأجدر به وهو الكاتب الواقعي منذ البداية ، أن يبلور وعي قارئه بضخامة تلك القوة وشراستها بدلا من أن يجعل منها أضحوكة حسب .

     إن زنكنه ليس ملوما لوحده في هذا خصوصا وهو لم يقدم بعد غير (السر) ذلك لان توجها في إظهار العدو على تلك الصورة الكاريكاتورية اللاواقعية كان سائدا ومقبولا في أدبيات تلك المرحلة المهمة نتيجة للحماسة الثورية العارمة التي أيقظتها النكسة .

     لقد اعتمد زنكنه في مساحة هذه القوة حبكة بنيت على حادث واقعي وأخذت تستأثر باهتمامنا وحسبنا أن المسرحية مسرحية فصل واحد . ولكنه أوقف مشروع حبكته هذه عندما جعل الفدائيين يزرعان عبوة ناسفة في المستشفى الذي حول الى مركز لقيادة عمليات الهجوم على (أريحا) جاعلا من مطاردتهم همزة وصل بين نصفي المسرحية . ومنتقلا عبرها الى حبكته الأخرى الأكثر أهمية في المسرحية .

     على هذا الأساس يمكن اعتبار النص الأول (*) وحبكته ، الهجوم على مدينة (أريحا) الفلسطينية للقضاء على مركز المقاومة ، ممهدا للنصف الثاني مما سيتضح لنا من خلال متابعة أحداثه .  ففي النصف الثاني يضعنا زنكنه إزاء حبكة جديدة سنجد انه يهتم بها ويطورها على مدى ما تبقى من المسرحية محاولا إلقاء المزيد من الأضواء على شخصية (مصطفى ) ليصل الى حقيقة أن جذور الإنسان وانتماءه الطبقي هما اللذان يحددان مدى التزامه وتمسكه بقضيته.

     وتظل الأسئلة هنا ماثلة : لماذا وضع زنكنه هذه الشخصية الى جانب شخصية (محمود) ، ولم يكتف بأحدهما دون الآخر ؟  ولماذا لم يقدمهما شخصية واحدة تحمل في دواخلها رواسبها الماضوية والطبقية ؟ .

     وتأتي الأجوبة من خلال النص ومن خلال ما أوحت به فكرة المسرحية من أن زنكنه أراد من خلال كلتا الشخصيتين أن يعرض وجهي البطولة المتناقضين ، سلبا وإيجابا ، وان يصل اليها ، أي البطولة ، من خلال تصارع النقيضين ونتائج ذلك التصارع وما سوف يلحقه بالمقاومة . فعلى الرغم من رجحان كفة البطل الإيجابي (محمود ) إلا أن ذلك الرجحان لم يغير ، على الرغم من تحقق الغاية ، من الأمر شيئا . فقد مات البطلان وانتهت لعبة البطولة معهما . وانتهت المسرحية وكأن البطولة لا تتحقق إلا بموتهما وموت أعدائهم. وكأن ليس أمام البطل الإيجابي أي خيار آخر ، بعد أن وضعه زنكنه في ظروف استحال عليه النفاذ منها الى أي خيار آخر ، غير الموت .

     لقد حكمتهما موضوعة المسرحية ، وطبيعة تلك الموضوعة بهذه الخاتمة الدموية . فكان لزاما عليهما أن يختارا بين اثنتين بين أن يموتا لتعيش القضية أو أن يعيشا لتموت القضية فاختار الأول أن يحيا ذليلا واختار الآخر أن يموت شهيدا .

     لقد كاد الموت أن يكون خاتمة مغلقة على أحداث المسرحية وشخوصها لو لا إشارة النص ضمنا الى استمرار فعل المقاومة . وسنجد في مسرحيات زنكنه المقبلة أن هذه الكوة الضيقة ، التي تركها في مسرحيته ليعبر منها الحاضر المستمر الى المستقبل ، ستتسع وتكبر حتى تظل مفتوحة في اغلب أعماله المسرحية والقصصية أن لم نقل في جميعها .

     إن ( السر) بالرغم من أن الكاتب أعلن ، منذ البداية ، أنها ذات فصل واحد لم تختلف كثيرا عن مسرحية الفصول الثلاثة . صحيح أنها تحدثت عن لحظة درامية مكثفة  وموقف دراماتيكي واحد إلا  أنها تشعبت  كثيرا في التمهيد لذلك الموقف وفي إعطاء الجو المناسب له مسبوقا بمواقف ثانوية أخرى ومشحونا بصدامات جانبية . فالمسرحية إذن أعطتنا الحدث الذي يتصاعد والموقف وأعطتنا العقدة والحل . وكل هذه   الأمور غير مطلوبة ، في الحقيقة ، من مسرحية الفصل الواحد قدر ما هي مطلوبة من مسرحية الفصول الثلاثة لأنها تشكل جزءا من قانونها العام .

     وإذا كنت قد افترضت تقسيمها ، أول الأمر ، على نصفين فإنني هنا اعتبر ذينك النصفين فصلين يتمتعان باستقلالية كل منهما عن الآخر وباستيفاء كل منهما لشروط الفصل المسرحي وأصوله الدرامية وأنا إذ اقرر استقلاليتهما فإنما انطلق في هذا من القانون الدرامي الذي يحدد الفصل المسرحي ويعطيه صفته العامة .

     لقد عددت هذه المسرحية ، منذ البدء ، بداية حقيقية لمحيي الدين زنكنه لتميزها على محاولاته السابقة بشكلها وفكرتها وموضوعتها . وسوف نجد أن محاولاته وأعماله اللاحقة لن تبتعد ، في المسار العام ،  عن فكره الذي أبدع ذلك الشكل وتلك الفكرة والموضوعة بل أنها جميعا سوف تنطلق منه لتعبر عما هو جوهري وحساس في حياتنا الاجتماعية والسياسية . ففي (السر) يطرح زنكنه موضوعة المقاومة في وقت كانت الجماهير ما تزال تعاني من مرارة الإحباط والهزيمة اثر نكسة حزيران التي خلفت في النفوس هوة كبيرة ، و وسعت تلك الهوة بين الواقع الناجز وبين حلم الجماهير وطموحاتها فجاءت ( السر) لتردم جزءا من تلك الهوة ولتوضح المسار الصحيح  و لتحذر من مغبة التوسع الكمي للمقاومة وما يلحقه من أضرار يصعب معرفة درجة فداحتها قبل الأوان . وقد تمكن زنكنه أن يتناول هذا كله من خلال طرحه بطله الإيجابي الذي جعله في (السر) ، رجل قضية ورجل مبدأ يتحلى في المسرحية ، كما ينبغي أن يتحلى في الواقع ، بفكر تقدمي يسترشد به ويشق طريقه على هديه . وهو إذ يروم الوصول الى غايته فانه ينطلق اليها بقوة السلاح وبقوة الفكر ومبدئية القضية وإنسانيتها . وإذا كان زنكنه قد وضع الى جانبه بطلا سلبيا فانه اشترط في الوقت ذاته ، لكي تكتمل شخصية بطله ، ويصل الى البطولة ، تخلصه من رواسبه المشتملة ضمنا على عوامل السقوط والانهيار.

     إن مسرحية (السر) ، بالرغم من كل الذي قلناه فيها أو قيل عنها ، ينبغي آن لا تعاين   بالمعايير نفسها التي تعاين بها مسرحيات زنكنه وأعماله المتقدمة الأخرى منذ (الجراد ) وحتى آخر مخطوطة مسرحية ذلك لأنها لم تكن في سلسلة إبداعات زنكنه الدرامية إلا بداية لتلك السلسلة المتينة .

-----------------------------------------

*افترضت هذا التقسيم للتبسيط والتسهيل .

وسوف نرى أن شخصية البطل ، الذي بدت عليه بوادر الانهيار والسقوط ، جراء التعذيب الوحشي المهلك ، يتصرف على وفق ما تمليه عليه مصلحته الخاصة لا مصلحة الجماهير . فهو ثوري الى الحد الذي تكون مصالحه بعيدة عنا أي تأثير سلبي مباشر أو غير مباشر ، ومتراجع متخاذل بقدر ما تمليه عليه مصلحته أيضا .

*    *    *   *