مسرحية مساء السلامة

قسوة الوصول الى  المدينة / الحلم

 

 

-1-

     لعل من المفيد لنا ونحن نعاين مونودراما (مساء السلامة ايها الزنوج البيض ) ان نشير الى ان زنكنه قد اتخذ من النشاز الفني الدال اساسا في عنوانها حيث زاوج حالتين مختلفتين لجنسين مختلفين مولدا منهما معنى دلاليا جديدا معبرا عنه بصيغة رمزية تضمنتها عبارة (الزنوج البيض). وهي مزاوجة لم تعن باللون العرقي ولكن بالحالة التي تشيراليها . بمعنى انها تشير الى وضع لا انساني سائد يقوم على كاهل البيض كما لوكان قائما على السود . فالرأسمالية وهي تمضي في سبل تطورها لا يقتصر استغلالها واستلابها على الاسود حسب وانما تتعداه الى الابيض فتبلغ به مبلغ الاسود . ومن هنا فان النشاز اللوني لم يكن في العنوان مقصودا لذاته بل للحالة التي تنم عنه وطبيعة تلك الحالة .

     المسرحية عموما تعتمد على شخصية واحدة نتلمس بوادر ازمتها ، منذ البداية ، عندما تصرخ متألمة :

          (آه .. ما أشد قسوة الاشياء حولي )

     هذه الازمة لم تأت دون موقف دراماتيكي خطير يمهد لها عن طريق التصعيد المستمر لحدة التوتر بين البطل كقوة محورية في الصراع وبين الاشياء القاسية من حوله . فالملجأ الذي اختاره زنكنه ليكون مكانا لحدث المسرحية ومسكنا لبطلها (سوران) يقدم لنا صورة تلك القسوة مجسدة في كيانه المهمل الصغير الذي ينوء تحت ثقل العمارية الكابوسي . اي ان المكان هنا ، وقد تقصده زنكنه ، يخدم غرضا تغريبيا .

         (آه .. ما أشد قسوة الاشياء حولي )

     إن هذه الآهة المتفجرة عن مشاعر مقمعة ، اساسها احساس الشخصية بالاغتراب ، والضيق ، والاختناق ، تأخذ في المسرحية معنى دلاليا مهما لانها لم تكن عابرة ولا معبرة عن توجع بسيط بل هي صرخة من يحاول الوصول الى حلمه ولكنه يصطدم بجدار هائل من الاشياء القاسية والمحبطة . ومهمة زنكنه تحددت في الشكف عن تلك الاشياء وتعريتها ليصار الى خلق ظروف انسانية لا تغلق المنافذ امام انسانه وهو يمضي في تقدمه مندفعا برغبة حقيقية واصرار للوصول الى المدينة التي صنعها من مادة حلمه وفرض على نفسه مهمة بنائها في واقعه الحياتي الملموس . ولعل ما يزيد من مرارة تلك الصرخة وشدتها كونها ناجمةعن تراكمات اشياء كثيرة اعاقت حركة الشخصية وتقدمها نحو غايتها المحددة . فان نحن عدنا الى جذور تلك الاشياء وبدايتها فاننا سنجد ان احساس (سوران ) بذلك الضيق والاختناق والمرارة قد رافقه مذ كان ابوه يتهكم من حبه الطفولي المفرط للموسيقى والغناء ويضطهد ه ويحتقره ويؤنبه على ذلك الحب .

     لقد نشأ (سوران ) في وسط محافظ ، منغلق ، متخلف ، يرى " الوسط " في الموسيقى والغناء كل ما يسيء للسمعة ومكارم الخلق . فلم تكن الموسيقى وقتها لترقى ، في نظر ابناء ذلك الوسط الى منزلة منزهة اجتماعيا . ولقد كان لهذا العامل اثر كبير على شخصية (سوران) اذ جعله اكثر احساسا بالتناقض والتضاد . واكثر قربا من التمرد والرفض المفعم بثقة سنكتشف انها كانت من القوة بحيث دفعته الى هدفه بعناد .

     لقد كان (سوران ) اذن مسكونا بتلك الآهة منذ طفولته فكيف بها وقد نمت معه وتطورت مع مراحل تطوره وبلغت اوج تأثيرها بعيد زواجه واقترانه بامرأة كانت لا ترى فيه سوى رجل فاشل في كل شيء .  ولكي يكشف زنكنة عن سلبية تلك الزوجة وتأثيرها الواضح في حياة (سوران) فقد جعله يلتجئ الى المقارنة المستمرة بينها وبين كل الاشياء التي من حوله فالساعة باعتبارها شيئا من الاشياء التي حوله ، يتزامن زعيقها مع كتابته لرموز ملحنته الموسيقية فتقطع عليه ، بضجيجها ، لحظات الابداع . وهو اذ يصرخ بها :

 (  لا ترفعي عقيرتك بالصراخ .. مثلما كانت زوجتي تفعل كلما وجدتني منهمكا في عملي )

 

فانه يعبر عن احساس مقمع لا يخلو من رغبة ثأرية تؤكدها وتعمقها استمرارية المماثلة لديه فهو يقول في موضع آخر على سبيل المثال :

         (ما تكاد الافكار في رأسي تتبلور والنغم يتسق وينتظم حتى تبادري الى تبديدها تماما كما

          كانت زوجتي تفعل على الدوام ) .

     ويصل الى ذروة تلك الرغبة حين يقول متهكما :

            (حين تعمل الساعة بالبطارية لا سبيل الى اسكاتها الا بتفريغها من كل طاقتها وشحنتها

            (يفتح الساعة ينزع منها البطارية ) تماما .. كالمرأة الشبقة .. لا سبيل الى اخمادها الا

          بجرها الى الفراش ) .

 

     فالساعة ، وهي رمز شائع للزمن ، تكتسب مواصفات جديدة اذ تسقط عليها شخصية الزوجة ليكون التماثل دلالة رمزية على عبثية ولا جدوى زمنها وعلى بقائه خارج زمن الابداع الانساني فهو هنا لم يرد مجردا حسب بل محسوبا بتراكم الافعال وردودها وانعكاساتها على الذات الانسانية سلبا او ايجابا .

     ومثلما تماثلت الساعة مع زوجته تماثلت المدفأة ايضا .

     يقول مؤنبا :

          (يا حقيرة .. يا وريثة كل سوءات زوجتي مجتمعة .. تستعينين بالبرد والمطر لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه وحدك لالقائي في الفراش واغتيال الحالة الموسيقية التي احياها ) .

     ولم تكن زجاجة الخمر بأقل من الساعة  والمدفأة قسوة عليه وهي تحاول كما تحاول زوجته استعباده وجره الى الفراش .  لقد كان لحضور الزوجة المستمر في الاشياء وتماثلها معها في ذهنه سببا في تشويش موقفه من الجمال المتكامل الرائع للمرأة . وسببا في اضطهاد حالات الابداع الخلاقة لديه ، بعدما كان يأمل ان يجد فيها امرأة رائعة ، طموحا ، متمردة ، جريئة في موقفها ، صريحة في قولها ، وعونا له في تحقيق احلامه وطموحاته النبيلة ، وسببا في تفاقم أزمته واشتدادها اشتدادا لم يستطع ازاءه الا ان يطلق صرخة غضبه :

          (آه ... ما اشد قسوة الاشياء حولي )

 

     فاذا كانت الاشياء التي اشرنا الى قسوتها والى صراع (سوران ) معها تمثل حالة صراعه ، الشديدة ، مع عالمه الداخلي (داخل الملجأ) . فأن صراعه مع القوى التي تداهمه على هيئة اصوات ضاجة تمثل حالة صراه الخارجي (خارج الملجأ) .  ومن خلال ما تركته تلك الاصوات من ردود افعال معاكسة فيه توضحت طبيعة العلاقة القائمة بينه وبين ذلك العالم ، الذي يحاصره ويضيق الخناق عليه ويقطع احلى لحظاته واجملها . كما توضحت هوية تلك الاصوات وشخصيتها من خلال تلميحات (سوران) واشاراته اليها فهو يقول على سبيل المثال مهاجما :

          (ذئاب .. حتى الليل الساكن الهادي المسكين لم يعد يسلم من اضطهادكم وتمزيق سكونه

           الآمن ، باموالكم التي تسير بأرجل من المطاط تزرع  الموت في الطرقات .. وتزعق

           بأفواه من حديد .. تتلف المزاج والاعصاب .. تفو عليكم وعلى اموالكم المغتصبة القذرة).

 

     البرجوازيون ، على وجه التحديد ، اصحاب الكروش القدامية والورائية ، كما يصفهم ، هم الذين يناصبونه العداء من الخارج فيفسدون عليه ، بضجيجهم ، حالات الابداع . وحالما تقسو الاشياء عليه وتزداد عداوتهم له عنفا تنتفض في قرارة نفسه صرخته :

         ( آه .. ما اشد قسوة الاشياء حولي )

     الصرخة اذن ، بالرغم من ان زنكنه قد وضعها في اول  النص ، لم تأت عبثا وانما جراء تراكم هائل من القسوة عبر مراحل تطور ونمو ، (سوران) كشخصية مسرحية في النص . وكأنسان واقعي في الحياة . انها صرخة المبدع في وجه عصره .

 

-2-

     ان سعي (سوران ) وتقدمه نحو غايته ، التي تحددت منذ البداية في محاولاته اضافة اثر جديد الى الآثار الانسانية الخالدة يسهم بشكل او بآخر في بناء واقع جميل وسعيد يطمح ان يحياه الانسان ذا يوم ، اصطدما ، كما لاحظنا ذلك ، بمعوقات قاسية كثيرة . وان متابعة دقيقة لمحاولاته تلك تكشف عن جوهر تلك المحاولات ومصداقياتها ، وتلقي الاضواء على (المساءات القاتمة ) التي يحياها الانسان ، والتي تتناقض مع غايته وتصوراته وتضعه امام مهام جديدة يحاول النهوض بها لولا تلك المعوقات واثرها المحبط . ولقد تجلت اولى تلك المحاولات في بحثه عن اللحن الذي يتسق ومدينة الزنوج :

          في مدينتي ، اذ  يهبط المساء .

          يرقد الكون على بضعة اشلاء .

     ولكنه سرعان ما يكتشف ان هذه المدينة ، المملوءة برائحة الدم والموت والجوع والصراخ ليست مدينة الموسيقى ، المدينة النقية المزدانة بصفاء رائع موح بأجوائها الانسانية وان (على الموسيقى في مدينة كهذه .. ان تتحول الى قنابل ... تدمرها ... تلغيها من على خارطة الكون ) وان عليه ان يقيم مدينته على غير اشلائهها وركامها . فما من بناء عظيم الا ويقوم على هدم عظيم . غير ان الاشياء التي حوله تضيق الخناق عليه كلما تقدم  في مسعاه وتفرض حصارها الشديد ، من الداخل والخارج ضد  ارادته وتطلعه وطموحه محاولة قتل حالة الابداع فيه . ان ما يريده (سوران) ، كمبدع ،هو الوصول ، الى حلمه ، الى الواقع اليذي يحلم به ليل نهار . وهو اذ يسخر جهده في محاولات دائبة ويائسة احيانا للوصول فانه يظل مشدودا لذلك الحكم انشدادا تديمه حالة انسلاخه المستمرة من الواقع والتي تعوقها تراكمات ورواسب ماضوية جامدة تحد من فعاليتها كثيرا وتفرض عليه في ذات الوقت مهمة ازالتها .

     ان ذلك العالم وتلك المدينة ، التي تلوح ظلالها من خلال جحيم الارض التي خلقها (عبيد المال) للزنوج لم يضع (سوران ) لبناتها الا من جملة قناعاته في تغيير ما ينبغي تغييره واضافة ما ينبغي اضافته لان (الكون الراقد على الاشلاء ) لن توقظ ضميره اغنية رثاء بل اغنية غضب وانشودة ثورة وموسيقى ملغومة بالابر كي لا تدع احدا يرتاح او يبقى على الحياد . ناهيك عمن يرقد حتى يعم الفرح الدنيا وتعمر المحبة قلوب البشر جميعا ) .

     ان وصوله الىهذه القناعات العملية التي تؤسس شكل ملحنته واصولها هي وسيلته للوصول الى (مدينة الموسيقى ) تلك المدينة التي سيجدها ، مثل كوكب في أقصى الكون تبعدها عنه ملايين السنين الضوئية . ولعل شقاءه وعذابه متأتيان من وقوفه وحيدا ازاء تلك المهمة العظيمة التي الزم نفسه شرف النهوض بها حتى (تعمر المحبة قلوب البشر جميعا ) .

 

-3-

     من البديهي ان اشخصية (سوران) ليست كأية شخصية اخرى . ذلك لأنها تنفرد في النص ، وتنفرد على الخشبة ، بايصال المسرحية ، شكلا ومضمونا الىجمهرة القراء والمشاهدين بالاعتماد على تقنية الكاتب داخل النص وتقنية الممثل داخل المسرح . وبما ان المونودراما تمتاز بكونها مسرحية شخصية واحدة ، تحكي قصتها ، قصة صراعها مع نفسها ومع القوى التي تقع خارجها ، فان صعوبتها تكمن في قدرة تلك الشخصية على النفاذ الى ضمير الناس والعصر وهي قدرة مرتبطة بتجربة الكاتب الابداعية ومكنته وتقنيته وتوظيفه هذه العناصر مجتمعة في رفد العملية الابداعية حتى تستكمل جماليتها . من هنا فأن نجاح اي مونودراما رهين بنجاح اختيار الكاتب ، الذي ينبغي ان يكون دقيقا وموفقا ، لشخصيتها ولموضوعة تلك الشخصية واهميتها وتأثيرها وجماليتها . وبالنظر للصعوبات والتعقيدات التي تفرزها ، كشكل فني من اشكال الدراما ، لن تحقق الانتشار الذي حققته المسرحية متعددة الشخوص . ولم تحفظ ذاكرتنا المسرحية سوى عدد قليل من نصوصها التي يقف نص محيي الدين زنكنه (مساء السلامة ايها الزنوج البيض ) الى جانبها بثقة عالية . ونحن اذ نقرر هذا فان سؤالا يفرض نفسه علينا ، لماذا اختار زنكنه (سوران) ليكون بطلا لمسرحيته ، ولايمكننا الاجابة عنه من دون الرجوع الى سيرة الكاتب الذاتية اوالاطلاع على ادبياته لاستقراء مفهومه الخاص بالشخوص والبطولة ولكننا عموما يمكن ان نلخص اجابتنا بالامور التالية :

اولا –   لان سوران كردي ، وهذا يرضي في نفس الكاتب انتماءه القومي ، بوعي يبعده عن

           التأثيرات القومانية والتعصب القومي ، وقد وضح من خلال نظرة (سوران ) الموضوعية للفن اذ يقول :

           (بيد ان الفن الحقيقي  لا يسجن روحه الوثابة في حدود هذه الدقائق والتفاصيل ، صحيح

           انه يستند عليها وينطلق منها مضمخا باريجه .. ولكن للبحث عن .. او الوصول الى...او

           بالاحرى خلق ذلك الخيط الرفيع القوي ، غير المرئي ، المشترك الذي يربط ويشد ويصهر اجزاء وجزئيات هذه التفاصيل والدقائق في بوتقة مغزى عام . في اطار معنى انساني شامل ، يستشرف معالم غد انظف للانسان ، ويوفر للروح قدرا اكبر من الاشباع بالنور والحق والجمال .

 

ثانيا -   لان محيطه لم يتجاوز بعد اسباب التخلف الحضاري . ولان وسط ذلك المحيط ينظر الــى

      فنه نظرة تهكم واستهزاء ولا تجاوب مع اهم مستلزماته ، حرية الخلق والابداع ، ابتداءا

           من الاب فالزوجة فالمعهد الذي تخرج منه .

 

ثالثا -    لان (سوران) لم يحقق في موسيقاه التكامل الجمالي بعد . بل يسعى جاهدا لتحقيق ذلـــك

          التكامل . بمعنى انه لم يحقق البطولة ، على وفق مفهوم زنكنه للبطولة ، وانما يعمل على

           تحقيقها . وهذا لا يعني ، بطبيعة الحال ، ان بطولة (سوران) تكتمل بمجرد اكتمال ملحنته لانها عند زنكنه مأخوذة بقيمتها الدلالية الموحية لا المجردة . وبطاقتها الترميزية الدالة .

 

رابعا -  لان (سوران) في عمر شبابي حساس ودقيق يفترض ان يفتح الواقع امامه ابوابه ليــزداد

           ثقة وعزما . وليواصل طريقه بأمان ولكنه بخلاف ذلك يصدمه بتراكمات هائلـــــة مـــــن التخلف والتعصب يوظفها زنكنه لخدمة النص ولبناء الشخصية وليعري من خلالها كـــل الظروف التي تحول بين (سوران) وهدفه الانساني النبيل .

 

خامسا – لأن الموسيقى ، وهي ميزة (سوران) الفنية داخل النص تتيح للكاتب امكانية توظيفهــــــا رمزيا لاظهار التناقض الشديد الذي يريد اظهاره والذي يؤدي الى اصطراع حالتين او قوتين لا يمكن تحييد احداهن او مهادنتها .

 

سادسا – لأن التجانس ، المحدود بين الكاتب وشخصية المسرحية يتيح امكانية السيطــــــرة على استرسال الحوار الداخلي ، المونولوج ، بشكل تتوضح من خلاله تنقلات وافكار ورغبات واهداف الشخصية وحالاتها الداخلية . لقد ساعدت كل هذه الامور على ان تجعل من مونودراما (مساء السلامة ايها الزنوج البيض ) مسرحية ناجحة اضافت اضافة مبدعة لا الى المسرح العراقي حسب وانما الى مسرحنا العربي ايضا .

 

 

*     *     *     *