
مسرحية لمن الزهور
الزهور وبنيتا التطابق والخيبة
عندما قدمت مسرحية محيي الدين زنكنة ( لمن الزهور ؟ ) ضمن مهرجان بغداد للمسرح العربي / تشرين الاول عام 1985 ، ونوقشت ، بعد ذلك ، في جلسته الرابعة اختلف المناقشون (*) اختلافا واضحا حول تحديد اطارها العام . فمنهم من قال انها مسرحية ذات اطار رمزي .
ومنهم من قال انها صيغت باطار فكري وآخر نفسي اعتمد عقدة اوديب اساسا في بنائها . بينما نفي آخر كل ذلك وعدها مسرحية لا تتحدث الا عن علاقات اجتماعية اتخذت صيغة الرمز .
ان هذه الاختلافات واخرى غيرها ، وهي في اغلبها منطلقة من نص المسرحية ومضمونها الفكري ، تدل ، بما لا يقبل الشك على عمق الفكرة التي تناولها زنكنه وعلى غزارة النص ودلالته الرمزية وعلى ما فيه من تكثيف لمشاعر انسانية ، وهي في لحظة توهجها و اتقادها ، يقربه من حالة القصيدة ويبعده عن المباشرة والسطحية والتقريرية بحدود تكفي لان تجعله ناجحا في اداء وظيفته الدرامية . وعبر هذا النجاح تتجلى عظمة وتطور العملية الا بداعية لدى محيي الدين زنكنه ومكنته من خلق عالم المسرحية الفني المسكون بفكره وقيمه الانسانية العالية .
لمن الزهور ؟
ذلك هو السؤال الذي جعل منه زنكنه عنوانا لمسرحيته وفرض علينا من خلاله التوقف ، قبل بدء الدخول الى عالم المسرحية ، للتأمل في اجابة قد تكون مطابقة لاجابة النص ، وقد تكون محض اختبار لقوانا الحدسية والعقلية في معرفة من ستؤول اليه الزهور ، مع اننا نحتفظ بفكرة مبدئية عامة ، بهذا الخصوص ، مفادها ان الزهور فقط لمن يستحقها .
العنوان اذن مبني على اساسين :
الاول : يؤكد وجود زهور لا نعرف لمن ستؤول آخر الامر . والاخر يؤكد وجود شخوص لانعرف ما اذا كانت الزهور ستؤول اليهم ام لا . فهناك المرأة (الأم ) وهناك ولدها وزوجها الذي رحل منذ وقت مبكر . وهناك بضعة اشخاص اخرين خارج مثلث الاسرة فمن من بينهم يستحقها اذن ؟ هذا هو ما ينبغي الوصول اليه ومن خلال نص المسرحية التي ابتدأها زنكنه بالزهور وهو يصف منظرها الطبيعي الجميل مشيرا الى الصباح الربيعي الندي الذي تنكسر اشتعته على قطرات نداه اللماعة . والى طيور وعصافير وحمائم برية تلتقط قوتها من الاعشاب المبللة . والى ساقية صغيرة وخلفية من تلال يغطيها النرجس . والى مقعد ابيض ومقدمة مبنى عال . وشاب في العشرين يلاحق احدى الحمائم بنزق وخفة دون ان يمسك بها وهو يقول بحزن مفتتحا المسرحية:
(طارت ... يا للاسف .. (بحسرة ) آه .. يا الهي كم اعشق الطيور ولا سيما الحمام (يرسل خلفها نظرات كسيرة ) ماما اشتري لي حمامة .. اريد ان امتلك حمامة .... ) .
وهو قول يفصح عن معلومات مهمة ودقيقة فهو (ثيمة ) الشخصية والمسرحية اذا اعتبرنا ، مسبقا ، ان احداث المسرحية تتمحور حول هذه الشخصية . فهو يعشق الطيور ولا سيما الحمائم التي تصبح هنا بديلا موضوعيا لامانيه الجميلة التي ما يكاد يمسك بها حتى تطير بعيدا . الكاتب اذن يحاول ومن خلال (الثيمة ) ايضا ان يقربنا ، عن طريق البديل ، من مأساة (الابن) . وان يجعلنا على يقين من عجزه عن تحقيق اي من اهدافه ومراميه . انه يريد ولكنه لا يستطيع . ولهذا يرسل خلفها نظرته الكسيرة . ولعل قوله : (ماما ... اشتري لي حمامة ) يوحي بالتناقض الشديد بين فكرة الشراء وبين عمري الشخصية وعقليتها . اي ان زنكنه يشير بحذر ، بعض الشيء ، من خلال (الثيمة) ايضا الى تدني قدرته العقلية . ولكنه في الوقت نفسه يؤكد على عزمه وتصميمه ، وان بشكل لا يحقق التناسب الايجابي مع عمره على امتلاك البديل ( الحمامة ) الذي يجعل حياته اكثر جمالا واستقرارا حين يقول لامه :
(اريد ان امتلك حمامة ...) .
(الثيمة ) وضعتنا اذن امام شخصية تعاني الحرمان وتفتقد الامان وبقدرات عقلية لا تخلو من لوثة ، ايا كان حجمها وتاثيرها وهي ، بعد هذا كله ، شخصية تحتفظ بميزات انسانية تجعلنا اكثر انشدادا اليها من اية شخصية اخرى داخل النص . فاذا ما بدت مضحكة احيانا ، بسبب اضطرابها ، فان هذا الضحك لا يني يتحول الى مرارة نشعرها ونحن نتأمل قسوة الظرف اللاطبيعي الذي ادى بالشخصية الى الجنون كما ادى بالشخصية الاخرى الى السقوط .
يقول مجيبا والدته اذ تسأله عما اذا كان سيعذب الحمامة ان هي اشترتها له :
(على العكس، ماما ، على العكس ، انا احبها ) .
ثم يكشف عن عظمة معاناته اذ يعتقد انها لا تحبه . وهو لهذا يسأل والدته بمرارة انسانية :
(ماما لماذا لا تحبني ؟ ) .
وتحاول (الام) من جانبها ان تخفف من تلك المعاناة اذ تقدم له ما هو بحاجة اليه زهور ورياحين وعصافير وطيور تغني بفرح وشمس دافئة رقيقة وساقية تنساب بهدوء وتل مغطى بالنرجس وهواء نقي ولكنها تخفق في مسعاها . فما يقدمه المكان من جماليات وبهاء لا تكتمل جماليته الا باستكمال الحالة التي تعوزه . وسوف ينقلب هذا المكان (البديل ) الى صاعق او اصبع ديناميت يفجر صدمة اشد يحقق من خلالها زنكنه نقلة كبيرة في مواقف الشخصية ومشاعرها . فعندما تسأل (الام) ابنها عن سبب ضيقة يقول لها بسبب المكان وشبهه من اماكن رآها ولم يحبها . ولكنها تؤكد انه لم يسبق لهما ان دخلا اماكن كهذه فهي باهظة التكاليف ، وعندما يقول مستفسرا :
(والآن )
تقول بانكسار تام :
( لقد دفعت الثمن )
لتتم النقلة المهمة اذ تتحول مشاعرها بعد هذه العبارة الصغيرة من الانشراح والتمتع بجمال المكان والامل في شفاء ابنها الى الانغلاق والاحساس بالالم والمرارة والضيق والانكسار . وهي نقلة اشبه ، في امكانيتها الهائلة على التحول ، تلك النقلات العظيمة التي اشتهر وتميز بها (تشيكوف) في مسرحياته الكبيرة
(دفعت الثمن )
هذا ما تقوله (الام) فتتغير حالتها كلية . وتضعنا امام اكتشاف جديد مركب . فلقد دفعت الثمن ليتمكن ابنها من دخول المكان . ولقد ارتبط المكان ، لا شعوريا عند (الابن) ، بالثمن الذي دفعته امه وهذا ما يثير عدائيته ضد المكان . وهنا نتلمس جذور العقدة الاوديبية فبسبب عدم توفر امكانية الدخول الى المكان ( المصح ) باعت (الام) اغلى ما تملكه المرأة الشريفة .
اي انه بسبب الثمن الذي قبضته باعت جسدها لرجل هو اساس الاحساس اللامباشر بعدائية (الابن) للمكان . وهذا امر طبيعي فلقد كان (هاملت) يكن الحقد لعمه الذي امتلك امه بعد ابيه . وهذه الفكرة وان كانت سابقة لاوانها وغامضة بعض الشيء لقلة الاشارات الدلالية عليها ولعدم التثبت من معرفة (الابن) بما تفعله امه في كل مرة تخرج وتتركه وحيدا داخل المنزل ، الا انها سوف تنكشف شيئا فشيئا مع تطور الحدث الدرامي .
الكاتب اذن غرز جذور العقدة الاوديبية في بطله وتركها تنمو فيه بشكل طبيعي . وسوف تغدو اكثر تعقيدا عندما تنكشف بقية حقائقها الاخرى لارتباط هذه الحقائق بشخصيتين تعرضتا للسقوط . الاولى حين سقطت ضحية للجنون والثانية حين سقطت ضحية للعوز .
المسرحية اذن تضعنا امام امرأة جميلة محتشمة هادئة وقور تضطر ، بسبب الظرف الاقتصادي ، وما يفرضه عليها من فقر وعوز ، وعدم امتلاك ما يوفر لها ثمن دخول ابنها المصح ، على ان تبيع الشيء الوحيد الذي ظل لها كأمرأة شريفة وفية لذكرى زوجها الراحل . ولقد ترك هذا الاضطرار في نفسها مرارة قاسية تحاول تخفيفها عن طريق تحقيق السعادة لولدها المصاب جراء الظرف المذكور نفسه وذلك بشفائه من لوثته ليكون عزاء لها في حياتها بعد ان فقدت زوجها الذي انقذها يوما من خطر السقوط والتحول الى نفاية بشرية قذرة . ومع ان تضحيتها الجسيمة هذه تحمل سببا مشروعا ، ومبررا انسانيا , الا انها لن تكررها ولن تطيق دفع ثمنها مهما ترتب على هذا الموقف من نتائج .
لقد ظلت تلك (التضحية ) تتابعها وتضيق الخناق عليها مثل كابوس ثقيل . ولا تكاد تذكر او يشار اليها , من بعيد او قريب ، حتى تنفجر في نفسها مشاعر تدميرية لا يخفف من تدميريتها الا كونها نجمت عن الحاجة الماسة والعوز . فجملة (الابن) : ( كنت تذهبين دائما ولا اعرف الى اين ) وجملته وهو يومئ برأسه : 0 اجل ... كنت تذهبين ... هناك ) اثارتا في نفسها ، على سبيل المثال لا الحصر ، تلك المشاعر وجعلتها اكثر اضطرابا وقلقا .
الشخصيتان اذن مرتبطتان بأكثر من علاقة . كما انهما متطابقتان في اكثر من موضع . وسيتضح مدى هذا التطابق بينهما حين تقوم احداهما باسقاط حالات الاخرى وعواطفها ومواقفها عليها . وسيكون التطابق في ذات الوقت محفزا لشجون (الام) . فعندما يقول (الابن) انه سوف يلتقي بصبيته كل عام ثم يردف ان العام طويل . طويل جدا تقول له ولنفسها في آن:
(صدقت .. طويل .. طويل جدا .. وقاس ايضا الى حد غير معقول .. واذ تتوالى الاعوام تتكدس بعضها فوق بعض ، برتابة وجفاف ولا لقاء يتجدد وليس ثمة غير الذكرى .. الذكرى حسب ... تكون اطول واشد وحشة .. وقسوة .. ) .
ويحدث التطابق ايضا عندما يستخدم زنكنه الحمامة ، مرة اخرى ، بديلا موضوعيا عندما جعل (الام) تستسلم لذكرى زوجها وتصرح بأمانيها في أن تعيش تحت ظلال الشجرة التي غرزها فيها وتنعم بثمرها وتحيا في حمايتها بعز وكرامة وأمان ولا ترغمها الحياة وقسوة ظروفها الصعبة الى العودة الى ذلك المكان حيث كادت ان تتحول فيه الى نفاية . وكان (الابن) يطارد ، مع استمرار حوارها ، احدى الحمائم ، ولا تكاد تكتمل امنيتها حتى تطير الحمامة مبتعدة ، كما ابتعدت من (الابن) في المرة الاولى ، وهكذا تتطابق بنية الخيبة ايضا عندهما . كما تتطابق (الام) ، عند (الابن) ، مع شخصية الصبية التي يتمناها او يحاول الوصول اليها ذلك لانه لم يلتق ، كما تبرر ذلك والدته ، بأية امرأة غيرها وانها تشكل عنده حالة جمالية مثلى . فهو يريد شعرها كشعر امه قصيرا وجمالها كجمال امه ايضا . وتتساوى مع امه في رضاها عنه اذ لا يكتفي بأن تسامحه امه عن خطئه وانما يطلب ان تسامحه هي ايضا . وعندما يرى وجه امه يشع بنور الفرح
( كم يكون الوجه جميلا .. حين يفرح القلب)
يقول :
(ماما .. ماما .. سأملأ قلبها بالفرح حين تـأتي حتى يظل وجهها جميلا .. رقيقا .. )
ثم يعود التطابق المحفز ليفعل فعله في (الام) اذ يقترح (الابن) ان يعطي للصبية صورته وان تعطيه صورتها لارتباط هذه الفكرة بصورة الزوج الموجودة في حقيبتها فتحاول فتحها لترى الصورة ولكنها لا تفعل . فالصورة هنا رمز لتطابق الحالة بين الشخصيتين وما تثيره احداهما في الاخرى من محفزات شعورية عاطفية . ولا غرابة ، بعدما تقدم ، في ان يصل ولع (الابن) بأمه حدا لا طبيعيا بل انه يتجاوز الحدود الطبيعية وصولا الى العقدة الاوديبية الي تفرض عليه الكشف عن حبه لامه بكلمات وافعال جعلت (الام) مترددة في قبولها ورافضة احيانا . ان تشبيهه الصبية بأمه يعني انها عنده تتضمن الرمزين : الام والمرأة .
وسنرى كيف يؤثر هذان الرمزان في سلوكية (الابن) وفي ردود افعال (الام) ازاء هذه السلوكية . ومن هنا تبدو العقدة الاوديبية اكثر وضوحا كلما امعنا في كلمات الشخصية وافعالها وامانيها .
الابن (يداعب شعرها ) انا .. ماما انا .. احب .. الشعر القصير .
الام الـ.. ـقـ..ـصير .. القصير ؟ لماذا القصير ؟ .
الابن مثل شعرك .. انت . (يداعب شعرها ) يتردد اولا . ثم بشغف .
الام شـ...شـ... شعري .. ؟ شعري .. أنا ؟ ما به ؟
الابن رقيق .. جميل .. حلو .. حلو جدا .. انا .. انا .. احبه .. احبه .. كثيرا .
الام (تنتفض) لا .. (تدفعه عنها ) لا شأن لك بشعري .
الابن (مصعوقا ) لماذا .. يا ماما .. ماذا جرى ؟
الام لا تلمسه .. لا تلمس شعري .. ابدا ..
الابن ماما .. اني .. اني ( يعجز عن الكلام .. يتشبث بيديها .. يمسك اناملها ) أنا .
الام (تجر يدها .. بانفعال ) ولا .. اي جزء مني .. لا تلمسني .. ابدا ..
ان رفض الام وردعها له في ان لا يلمسها لا يرتبط ، عندها بعقدته حسب . بل وبحالة لمسها من قبل رجل أخر هو الرجل الذي باعت له عفتها وقد اسقطت ، لا اراديا ، شخصيته على شخصية ابنها باعتبار رمزهما المشترك للفحولة . ولهذا كان احساسها احساسا داخليا مركبا . وهنا تصل المسرحية الى جزئها المرتبط بالزهور اذ تدفع (الام) ابنها ، ولكن بلا قسوة هذه المرة ، لتغير الموقف والحالة فتقول له اذهب لتلم الزهور وقد كان قد عرض عليها ، من قبل ، ان يجمع الزهور وان يجعل منها اضمامتين . احداهما للصبية والاخرى لها .. وبما ان الصبية لا توجد الا في ذهنه كصدى داخلي ناجم عن الرمز المركب لوالدته ، كما كانت (جوكوستا ) في (اوديب ملكا ) فان الزهور آخر الامر ستؤول بالكامل اليها . ولكن هذا الحكم ليس نهائيا وقاطعا . فالمسرحية لم تكتمل بعد . ولهذا اجدني مضطرا للعودة الى حالة اختيار الابن للزهور . وهي حالة مرتبطة بعقدته ايضا ومنطلقة منها . فهو لم يختر (النرجس) ، علىوجه التحديد ، الا لكونه يتطابق مع اسم والدته ( نرجس) ، ولان والدته تحب النرجس وتفضله علىكل الزهور ولان بيتهم لا يخلو منه على الدوام . وربما كان والده يفضله ايضا والا لما امتلأ بيتهم به ولما حرصت الام علىان لا يخلو بيتها منه على الدوام . ان وجوده في المسرحية واحتلاله مساحة ، غير صغيرة ، من جغرافية مكانها ساعد كثيرا في اعطائها دلالة رمزية عميقة بقدر ما ارادها زنكنه ان تكون مرادفة للحياة الجميلة فانه يرجوها لشخصيته ، ولكنها غير ممكنة على الاطلاق من دون تغيير الوضع المضطرب . بمعنى آخر فانه يشترط تغيير الوضع الاقتصادي باعتبار ما له من دور فاعل واساسي في سعادة الناس . وان يكون ذلك التغيير مقرونا بتغير نوع النظام السائد اجتماعيا .
الزهور اذن هي الرمز المرادف للحياة الجميلة المستقرة الآمنة . ومن هنا يخيل الي ان الاجابة عن سؤال المسرحية سوف لن يكون صعبا فيما لو استطعنا التمييز الصحيح بين من يستحق حياة الزهور وبين من لا يستحقها ، وان كان يتمتع بمباهجها . ولكن زنكنه لا يدعنا، مع ان الرمز اصبح جليا وواضحا ، نجيب عن تساؤله (لمن الزهور؟) بحرية كاملة فلقد وضع هذا التساؤل ايضا على لسان مستخدم المصح الذي جاء ليجر (الابن) الى داخله ، حين تخبره (الام) ان ولدها قد ذهب الى التل الملبس بالنرجس ليجمع الزهور ، فيقول متعجبا ومتسائلا :
(الزهور؟ ... لمن .. ؟ ) .
وتجيبه الام :
(لي .. لنفسه .. للااحد .. لا ادري .. لم اعد ادري .. خذوه ... وكفوا عن تعذيبي ) .
وقد ارادت ان تقول لها وله وللصبية .
ومع ان المسرحية قد بلغت نهايتها وان (الابن) مستمر في تحقيق امنيته (جمع الزهور) الا ان زنكنه لا يني يجعل من الخيبة بنية لتلك الامنية ايضا اذ امسك الرجلان بالابن بقوة ولم يدعاه يلم الزهور ، كما يريد ، ولم يجمع منها الا اضمامة واحدة سقطت منه تحت اقدامهم وهو يصرخ بهم لا تسحقوا الزهور . وتصرخ (الام) هي الاخرى لا تسحقوا الزهور . لا تسحقوا زهرتي الوحيدة . ثم تبدأ بلم الزهور من تحت اقدامهم حتى تسقط حقيبتها وتطلع منها صورة الاب . وقبل ان يدلف الرجال الى المبني تلتقط الصورة والزهور معا وتضمهما الى صدرها وهي ترسل نظرة كسيرة باتجاه ولدها الذي غيّبه مبنى المصح .
اذا عدنا وعاينا الظروف ، وهي ظروف سبقت زمن وقوع الفعل في المسرحية وجعلت من وضع (الابن) سلبيا ومتميزا بلا طبيعيته ولا انسجامه ، توصلنا الى ان تلك الظروف ومسبباتها لم تغب عن الادراك الباطني له ، على الرغم من كمونها فيه ، ذلك لان هذا الادراك يشكل بحد ذاته مرحلة سبقت مرحلة اللوثة التي افقدته القدرة العقلية والامكانية التحكمية بالافعال والاقوال واتلفت طرائقه في تحريرها . ولكن حتى في حالة كهذه فان بعض المحفزات تنجح في استفزاز اعماق الشخصية وتجعلها تمور بما فيها من ارهاصات مقمعة ومدركات كامنة قد يصعب فهمها وتقبلها ، كما حدث للام ، فيما لو تعاملنا معها تعاملا سطحيا وعابرا . ولكن ما ان نمعن النظر فيها حتى يتكشف امامنا عالم غريب في لغته واستعاراته وفهمه لظروف الانسان ومعاناته ومكابداته من امور الحياة الجوهرية والمهمة . وان وقفة تأملية استبطانية امام المقطع التالي من المسرحية كاف لأن ينقل ما نعجز عن نقله في صفحات كثيرة .
يقول (الابن) مشيرا لأناس ذلك العام .
(انهم .. انهم ... في الظلام .. لا يظلون اناسا .. مثلي .. ومثلك وانما يتحولون الى اشباح .. مخيفة .. عيونهم تقدح نارا .. تلتمع مثل عيون القطط في الليل ، يشقون طريقهم بين اكداس البشر ... بسكاكين .. طويلة .. حادة ... لماعة . منقوشة بالنجوم المشعة .. التي سرعان ما تنطفي ... في جوف البطون التي تبقرها .. او داخل الصدور ... والظهور التي تفتحها ويتدفق الدم بغزارة مثل شلال ... اسود ... بلون الليل .. بلون ملابسك هذه .. ماما .. لماذا يكون الدم في الظلام اسود .. لماذا يكون كل شيء في الظلام اسود .
الام : (بقلق شديد) عن اي شيء تتحدث يا ولدي ....
الابن : (منساقا لتصوراته ومندمجا فيها الى حد كبير ) ، والاصوات يا ماما .. آه من الاصوات .. انها .. فظيعة ... مرعبة ... تمزق الاذان . تدمر الانسان .. تحيط به من كل جانب كما تحيط مياه البحر بالسمكة .. طق طق طق ... طاب طاب طاب ... قر قر قر لا يعرف الواحد .. من اين تأتي ولماذا تكون بهذه القوة والعنف .. آه .. انها ... انها تقتل الانسان داخل جلده ... تخنقه .. لا تدعه يتنفس ابدا ابدا .
اما فيما يتعلق بمشهد المرأتين ، والذي لم يشغل من المسرحية غيرصفحتين ، فانا اتفق مع بعض الاخوة المناقشين في لا لزوميته لانه لم يقدم لنا سوى تعليق سطحي سريع على الحالةمن الخارج،كنا في غنى عنهلان المسرحية اخبرتنا بما يكفل توقعنا ومعرفتنا لحالة الشخصية وما ستؤول اليه .
------------------------------------------------
(*) عبد الغفار عودة / صفوت شعلان / نبيل بدران / فؤاد دواره / نعم الباز .. من مصر . يوسف العاني / علي مزاحم عباس / د.عوني كرومي / عزيز عبد الصاحب / عصام محمد / عادل كاظم .. من العراق .