
مسرحية حكاية صديقين
سر حكاية الصديقين
يبدأ محيي الدين زنكنه مسرحيته (حكاية صديقين ) بتقديم بعض الحقائق المهمة ، التي تحدد بشكل عام جوهر الصراع وطبيعته القائمة على أساس الارباح والمنافع وهو اذ يسوق لنا هذه الحقائق على لسان جوقه الرباعي فانه وعلى لسان الجوق ايضا يحدد :
اولا - الشكل الفني العام الذي سوف تتخذه احداث المسرحية ووقائعها اعتمــــادا على فعلي
(القص والتمثيل ) وهما فعلان ينطويان على الاشارة المسبقة ، ضمنيا لذلك الشـــكل
الذي يمنح المسرحية نكهة بريشتية ملحمية والذي لا يأخذ منه زنكنه ، كما عرفنــاه ،
الا ما يمكن تطويعه ليتلاءم مع طبيعة شخوص مسرحيته ومحليتهم . وليكتسب ذلــك
(الاخذ) مشروعية وقبولا دراميين .
ثانيا - مهنة الشخوص وهويتهم (فبهما وعلى ضوئهما يتحدد السلوك وترتسم الاخلاق
وتتشكل العلاقات) وهذا التحديد يمنحنا فكرة تنبهناالى الحقيقة قبل ان يفعل فينا الايهام
فعله فتنقلب الامور وتؤخذ الاكاذيب الزائفة مأخذ الحقائق الواردة .
ثالثا - مفهوم الثروة وما تعنيه من نزوع الى الملكية الخاصة والى الفردانية والانانية
والجشع .
رابعا - الصراع والاطراف المتصارعة والوجهة التي سيسير بها صعودا حتى ذروة
المسرحية .
خامسا - غايات الشخوص واهدافهم ووسائلهم المختلفة للوصول الى تلك الغايات والاهــداف .
ان محيي الدين زنكنه ، وبعد ان جعل كل شيء تقريبا يبدو محددا في مسرحيته ومألوفا واعتياديا ، لاسباب تتعلق باعطاء القارئ فكرة مسبقة تحصنه ضد مفعول الايهام ، عمل على اسقاط تلك المألوفية والاعتيادية ، عندما عرض لنا الاحداث عرضا خاصا عرى فيه – تلك الاشياء من رتابتها المعتادة وحكمها بالعنصر الاكثر ملحمية (التغريب) .
واذا كان زنكنه قد وضع كل تلك التحديدات مسبقا وكأن لم يبق من المسرحية ، بعد، ما يستحق المتابعة ، فانه يفاجئنا بأحداث جديدة شيقة وغريبة لا يمكن اعطاءها اي تحديد ، قبل اكتمال مستلزماتها ، استطاع من خلالها ان يفرض علينا متابعة تلك الاحداث ، منذ (الحلم) ، وحتى خاتمة الرحلة ، متابعة دقيقة .
فالاحداث في رأيي تبتدئ من الحلم الذي يبرر به رحلة الصديقين الى الصحراء وسعي الرجل (الاب) والمرأة (الام) لتحقيق غايتهما التي سعيا لتحقيقها مذ حاكا اول خيوط التامر على زوجها فارسلاه الى الموت . وعن طريق الحلم ايضا استطاع ان يغير مواقع الصراع والقوى المتصارعة . فبعد ان كان متوقعا نشوب الصراع بين الوالدين وبنيهم ، عقب التهم التي وجهها الولدان لوالديهما والتي تبلغ عندهما مبلغ الجريمة ، جعل رحى الصراع ، بفضل حلم الام ، تدور فيما بين الولدين الذي خدعتهما الام بعواطفها الزائفة والاب بحبه وحنانه الكاذبين .
ان الوالدين يعرفان ضعف ولديهما وعلى اساس هذه المعرفة وضعا لبنة ذلك الحلم .
(تصور يا حسين يا قرة عيني . ماء يحمل في غربال واذ افرغه تستحيل قطراته الى
حبات رمل ، تتوهج تحت اشعة الشمس غير مرئية ) .
هكذا تقول الام لولدها (حسين ) وتتظاهر بعدم معرفتها لتبر الذهب وتدعي ان ما تقصه على ابنها ان هو الا حلم مع انها تعرف ان اكثر مايشد انتباهه ويجعل اللعاب يسيل من فمه ويخطف بصره هو الذهب . وقد استطاعت ، وبشكل غيرمباشر ، ان تحفز فيه رغبة البحث عن جراره التي كان قد خبأها جدها الاكبر في موطنه الصحراء . والولد من جانبه يعتبر الحلم نبوءة ووحيا من ذلك الجد لا حلما كسائر الاحلام فيعتزم القيام برحلة الى تلك الصحراء حيث موطن جده الاكبر .
اما (حسن) وهو صديق (حسين) فلا يقل عنه تأثرا وانبهارا بالذهب وحبا للثروة ورغبة في الحصول عليها . وهو رفيق رحلته وان الكهل الذي حبك تفسير الحلم لهما وجعل وهم الذهب اكثر سيطرة على مخيلتيهما .
تحت هذه المؤثرات واخرى غيرها ابتدأت رحلة الصديقين التي ارادها زنكنه رحلة كشف وبرهان وادلة عيانية على حقيقة الصداقة / العلاقة التي تربط بين صديقين ينحدران فئويا ويرتبطان اخلاقيا بالطبقة البرجوازية وباخلاقياتها الزائفة . وعلى الرغم من ان قاعدة تلك الصداقة تستند على اساس الارباح والمنافع والجشع والانانية والكذب والخبث وسوء الظن مما يجعل امر نزوعها الى التطهر مستبعدا جدا الا ان زنكنه ، مع ذلك منح الصديقين الزمن الكافي ليختبرا اخلاقيتهما وليهدتيا الى الطريق السوية عبرتجربة الرحلة واكتشاف الحقائق . حقائقهما وحقاق ابويهما والفئة التي تربيا وترعرعا في احضانها .
لقد شغلهما امر الذهب وتلبسهما حب الثروة وجرار الثراء الدفينة فاندفعا بعزم واصرار نحو الصحراء غير هيابين ولا مبالين بمخاطر الرحلة وأهوالها .
وهنا تدخل الجوقة لتكشف لنا ان الحلم مختلق و(مفبرك) بحذق ومهارة واتقان من قبل الابوين . وكان الاجدر بزنكنه ان يترك لنا متعة اكتشافه والوصول الى حقيقته والى الكذبة الكبيرة التي هي البداءة فيه والاساس . هذا بالاضافة الى انه جعل الصديقين يكتشفان تلك اللعبة الشيطانية المحكمة في منتصف الرحلة تقريبا ، بعدما يتعرضان لصنوف المعاناة وقسوة الصحراء وخيبة البحث عن (اكسير الحياة ) في المنطقة التي حددها لهما ذينك الابوان ومن ثم فاننا نكتشف معهما السبب الذي يكمن وراء تلك اللعبة القذرة ونقرر معهما بيقين تام ، كما قرر المؤلف " ان من يقدم على قتل ابنه بهذه الطريقة البشعة لا بد وان يكون قد مارس القتل قبل ذلك مرات ومرات " والا كيف تسنى لهما ان يسديا لولديهما نصائح مهلكة ومميتة حين قالا في وداعهما :
(حاذرا الدنو من المدن المسكونة . حاذرا الاقتراب من القرى المأهولة .
صادقا الحيوان تجنبا الانسان .
الناس ذئاب في جلود بشر لصوص في ثياب قديسين .
ومن الطعام والشراب لا تحملا ما لذ وطاب .
وانما ما خف وافاد . فلا تكونا موضع شك وارتياب ) .
لقد سارا نحو الصحراء يحدوهما امل الوصول الى الثروة والجاه والذهب . سارا لا كما سار قبلهما كلكامش وصديقه انكيدو فقتلا خمبابا . بل ليتخم كل منهما خمباباه .
ابتدآ الرحلة من المسرح ليقطعا مسافة شاسعة خارجه ثم ليعودا اليه مرة ثانية . ولكي لا تنقطع متابعة القارئ او المشاهد لاحداث الرحلة فان زنكنه يعرض على شاشة بيضاء ، تنزل على الخشبة ، لقطات سينمية للصديقين وهما يتوغلان في عمق الصحراء متعبين مرهقين يبتدآن الحفر هنا وهناك بلا طائل ودون جدوى بينما تندب الجوقة من على الخشبة ، حالهما متعجبة من تفريط ابويهما بهما ثم تختفي لتظهر مرة ثانية بعد اشتداد عراكهما ، على الشاشة ، وبعد ان يتغير حالهما ولونهما لتتأكد ان هذين الكائنين الغريبين هما التاجران الاليفان الودودان المطيعان الاخوان المثاليان (حسن وحسين) . و تجدر الاشارة هنا الى ان استخدام زنكنه للقطات السينمية ، من قريبة ومتوسطة فبعيدة باتساق ومهارة، جاء منسجما مع الحالة والموقف ولكنها في ذات الوقت لم تستطع نزع الايهام عنها فاعتمد زنكنه مرة اخرى على الجوقة التي جعلها تظهر مرتين متتاليتين لتختفي بعدهما نهائيا وكأن مهمتهما قد انتهت وان المسرحية لم تعد بحاجة اليها مع انها لم تنجز بعد سوى نصف حكايتها .
لا شك ان الجشع والرغبة في الحصول على الثروة هما اللذان دفعا بالتاجرين الثريين المرفهين المترفين الى تجشم عناء تلك الرحلة المهلكة . وهما اذ يقرران الوصول الى مأربهما فانهما لا يأبهان للوسيلة فكل الوسائل ، عندهما ، مباحة وواردة . وما ان يبتدآ السفر ويشعرا بمرارته فأن ما بداخلهما ، جراء مصادمتهما مع بواعثهما ، يبدأ بالظهور تدريبجيا . فتوقف (حسن) عند شجرة الصبير وفشلت محاولات (حسين) لجره الى استكمال الطريق واقناعه ان توقفه في هذه البقعة هو الخيبة والموت . واصرار (حسن) على البقاء وجعل صديقه في حل من عهدهما الذي قطعاه على نفسيهما ، امام الابوين ، ماكان الا ليتاح له ارتشاف الماء دون صاحبه .
لقد بات العهد يشكل ثقلا عليه مثلما يشكل الحذاء ثقلا على رجله المتورمة . فكلاهما يسبب له الآلام والاوجاع والدمامل والقيح . ولعل زنكنه ، باستخدامه المونولوج قد ذهب الى اكثر من هذا اذ جعلهما يكشفان عن دواخلهما في حوار جانبي مع نفسيهما او مع القارئ في النص ومع المشاهد في المسرح .
يقول حسن لنفسه :
(ابتعد عني هنيهة لعلي أبلل ريقي )
ويقول حسين لنفسه :
(الملعون كل همه ان يختلي هنا .. ولكن هيهات )
ان كلا منهما يعرف بحقيقة الآخر ويعرف اي سلوك يمكن ان يسلك معه وكل منهما يحاول جاهدا ان تكون صفقته اكثر ربحا . وما اشدها اهمية عندما تكون السلعة سرا للبقاء ورمزا للحياة. حيث البقاء مهدد بالزوال والحياة متلبسة بالموت .
ان زنكنه وهو يكتب عن سلوك واخلاق فئة التجار البرجوازية فانه يأخذ بنظر الاعتبار منطق تلك الفئة وحقيقتها .
يقول (حسين) على سبيل المثال :
( لا شيء يزيد عن حاجة احد . ما يزيد عن حاجتي اليوم احتفظ به للغد الذي سيكون بالتاكيد اسوأ من يومي هذا ) .
ويقول (حسين) في موضع آخر ردا على ما ادعاه (حسن) بصدد الفتاة العرجاء التي اراد (حسين) ان يدنس شرفها :
(ليست شهامتك هي التي دفعتك وانما وهمك المرضى باني قد استأثر بها لوحدي ) .
وهكذا يتجلى منطق الربح والخسارة حتى عندما يتعلق الامر بالشهوات والغرائز واشباع تلك الشهوات والغرائز . فاذا كان (حسن) قد وشى بصديقه فلأنه لا يريد لصديقه ان يستأثر بالفتاة لوحده فيخسر هو ما كان بامكانه ان يربحه منه . ولهذا يفشل بالظهور امام صاحبه والناس بمظهر الرجل الشهم . ان (حسين) يعرفه كما يعرف نفسه وكما يعرفان فئتهما ومبدئية تلك الفئة واخلاقياتها الزائفة . و هكذا فان هذا المنطق لا يحكم حياة التاجرين الصديقين حسب وانما حياة التجار جميعا .
ويشدد زنكنه ، على الصيقين ، الخناق وحالة الضيق اكثر فاكثر اذ يجعل العطش يدركهما دون ان يجرؤ احدهما على ان يبلل ريقه امام الآخر ، لكي لا يشاركه ما في زمزميته فيحقق الربح دونه ، خصوصا وهما لم يكتشفا بعد ان كلا منهما يحتفظ بزمزميته ، فامام سلعة مربحة ، كأكسير الحياة لا يهمهما من يهلك ويموت حتى وان كان الهالك صديق العمر ورفيق الدرب . فبمجرد ان ابتعد (حسين ) اخرج (حسن) ، من بين طيات ملابسه ، زمزميته وراح يشرب منها . وكذلك فعل (حسين) .
ان اختلاءهما عن بعضهما والقاءهما لحوارهما كل على انفراد كان يمكن ان يتخذ شكلا اكثر عمقا لو انهما القيا ذلك الحوار معا مع الاحتفاظ بوجود حاجز وهمي يفصلهما ولكن اغلب الظن ان زنكنه قد ترك امكانية هذا على عاتق العملية الاخراجية ولعل جملة الافعال التي قاما بها منفردين اضافت ايضاحا آخر لتلك الخديعة فلقد قام الاول باخفاء زمزميته في حفرة صغيرة ثم جعلها حفرا عديدة ليموّه ، على صاحبه الحفرة التي وضع زمزميته فيها . بينما قام الثاني باخفائها في كومة رمل صغيرة ثم جعلها اكواما عديدة ليموّه هو الآخر ، على صاحبه الكومة التي وضع زمزميته فيها . وبفعل اشتداد الصراع وغضب الصحراء يفقد كل منهما اثر زمزميته فيتخبط في البحث عنها دون جدوى . لقد خابت كل الجهود الاضافية التي بذلاها للوصول الى المكان الصحيح . وهذه الخيبة واليأس هما اللذان فرضا عليهما مصارحة احدهما للآخر فكشف كل منهما مدى حقارته ولؤمه وأنانيته وجشعه ومحاولته الاستئثار بالماء لوحده . كما فرض عليهما توقيع عهد جديد آخر سوف لن يكون بأحسن حال من عهدهما السابق ذلك لانهما متطبعان على الحنث بعهودهما اذا ما عاهدا . وتلك مزية اكتسباها من والديهما . فها هو حسين يقول على سبيل المثال :
(اذا كانت امي نفسها قد خانتني وغدرت بي . فلماذا لا يخونني ولا يغدر بي ) .
ان هذه الخيانة المفضوحة . وهذا الغدر السافر يفقدانهما الثقة بأي كائن حتى ولو كان ذلك الكائن رفيق الدرب وصديق العمر . وليس ادل على هذا من حنثهما بالعهد الجديد الذي قطعاه على نفسيهما بعدما اقسم (حسين) بكل ما هو مقدس ونبيل وشريف ان يتقاسم زمزميته مع صديقه ان هو عثر عليها . كما اقسم (حسين ) ان لا يشرب قطرة واحدة من زمزميته الا مع صديقه وأخيه ورفيق رحلته (حسين ) . ولكن ما ان يجد كل منهما زمزمية صاحبه حتى يحنث بقسمه ويبرر ذلك الحنث قائلا :
(لا يمكن .. لا يمكن كلينا .. وهو ؟ والعهد الذي اخذته على نفسي .. لقد اقسمت ان
أقاسمه زمزميتي فأنا اذن في حل من قسمي ولو ... رآها لاستولى عليها . ولما سقاني
نقطة واحدة هذا الوحش الذي يضمر كل ذلك العداء والكراهية لأبيه ) .
ويبرر حسن حنثه قائلا :
( لا .. لا لن يعطيني قطرة واحدة ولو فطست امامه كالكلب الظامي في يوم قائظ لا سيما
انها زمزميته هو لا زمزميتي . كيف يمكن ان أثق بشخص قد صمم على قتل أمه ..شر
قتلة هل انتظر منه رأفة بي وانا الغريب عنه .. لا ... لا ... الافضل ان اتركه هنا ....
يقضي عليه العطش ) .
لقد تصرف كل منهما كما ينبغي له ان يتصرف كتاجر لا عهد له ولاميثاق يلزمه وسوف لن يتصرف اي منهما ابدا الا كما تصرف كلاهما في نهاية المسرحية اذ هرب كل منهما ، تاركا صاحبه ، خارج المكان (المسرح ) معتقدا انه نجا دون صاحبه . وانه سوف يعود الى العجوزين ليبارك زواجهما وليصبح ، في نهاية المطاف ، وريثهما الوحيد .
وهكذا يبدو لنا جليا ان كل الابواب التي تركها زنكنه مشرعة امام الصديقين التاجرين ليتطهرا من رجس اخلاقيتهما عكفا ، بنفسيهما ، على غلقها بسبب تلك الاخلاقية . وان ما يريده في النهاية هو ان يمكن القارئ او المشاهد من الوصول الى حكم عقلاني ونهائي على تلك الصداقة .
وان بقاء واستمرار شخوص ، كشخوص حكايته ، في حياتنا انما يهدد حياتنا بالاضطراب والانهيار . وهذا جل ما يخشاه كاتبا وانسانا .