مسرحية السؤال

دراسة المسارات الدرامية في مسرحية السؤال

 

      تستأثر مسرحية " السؤال " ، من بين سائر المسرحيات العراقية الرصينة باهتمام النقاد والدارسين والمخرجين العرب وإقدامهم على عرضها برؤى مختلفة وأفكار متباينة (1) . لقد اعتمد محيي الدين زنكنه في كتابة هذه المسرحية على اكبر منجز حكائي تراثي عربي ( ألف ليلة وليلة ) منتقيا منه حكاية شكلت العمود الفقري لهيكل حكايته الجديدة . راسما في جغرافيتها مسارات عديدة مختلفة تلتقي وتفترق وتتشابك ، أحيانا ، عند عقدة السؤال المهم الذي سيظل حاضرا وقائما على امتداد مشاهد المسرحية ونظرا لاهمية هذه المسارات من الناحية الفنية والدرامية وتأثيرها في سير افكار الحكاية الجديدة رأينا ان نفرد لها هذه الدراسة على وفق المسارات الآتية :

 

أولا : مسارات الحكاية التراثية :

     ان أي خلق فني يعتمد التراث مادة فنية في الكتابة يرتبط ويحافظ على صلته بتلك المادة بعامل أو اكثر يحدده الفعل الرئيس أو مجموعة الأفعال الرئيسة التي تمتاز بقابليتها الانفجارية ، الى كل الجهات ، انفجارا يؤدي الى تعدد مساراتها والى اختلاف تلك المسارات . ففي الحكاية التراثية ( حكاية الخياط والأحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع بينهم ) في ألف ليلة وليلة يتحدد مساران :

أ‌-  المسار الصاعد وتحدده مجموعة أفعال تبدأ من فعل القتل وتنتهي بوصول القتيل إلى الوالي على وفق الترتيب الآتي :

 

حضر ........      أحدب الى بيت الخياط >>>>> التقطت زوجة الخياط جزلة سمك كبيرة من على مائدة الطعام >>>>> القمتها في فم الأحدب >>>>> طلبت منه ، بعد ان سدت فمه بيدها ان يبتلعها دفعة واحدة >>>>> تصلبت في حلق الأحدب شوكة تصادف وجودها في السمكة >>>>> أدت الى انقطاع أجله .

 

تآمرت .........  الزوجة مع زوجها على الطبيب اليهودي>>>>> حملا الجثة >>>>> وضعاها على عتبة دار الطبيب بمكر ودهاء>>>>> هربا ليفوزا بنفسهما .

حضر .........  الطبيب ليعاين المريض المزعوم >>>>> تعثر بالجثة فسقطت >>>>>  ظن أن الأحدب قد مات بسببه .

تآمرت ........  زوجة الطبيب مع زوجها على جارهم المسلم (المباشر)>>>>> انزلا الجثة في بيته بواسطة حبل وتركاها في ركن .

 

حضر.........  جارهم المسلم (المباشر) >>>>> رأى الأحدب واقفا >>>>> ظنه لصا >>>>> اخذ مطرقة وهوى بها عليه فوقع أرضا >>>>> حمله ، في آخر الليل ، وتركه  في السوق وانصرف .

حضر.........  النصراني ، وهو سمسار السلطان ، قاصدا الحمام وقد اختطفت عمامته أول الليل >>>>> رأى الأحدب ظنه لصا يريد سرقة عمامته >>>>>  طبق كفه ولكمه على عنقه وامسك بخناقه>>>>> نادى على الحارس .

حضر ........  الحارس ورأى ما رأى>>>>> امر النصراني بحمل القتيل الى بيت الوالي لمقاضاته .

 

ب‌-المسار النازل وتحدده مجموعة أفعال تبدأ من امر الوالي بقطع رأس النصراني وصولا الى اطلاق السلطان ، سراح الجميع على وفق الترتيب الاتي :

أمر .........  الوالي بقطع رأس النصراني >>>>>  ظهر المسلم (المباشر) للوالي شهد  ببراءة النصراني>>>>> اعتراف بارتكابه الجريمة >>>>>أطلق الوالي سراح النصراني .

أمر........ الوالي بقطع رأس المسلم >>>>>ظهر الطبيب اليهودي>>>>> شهد ببراءة  المسلم >>>>> اطلق الوالي سراح المسلم .

أمر ..........  الوالي بقطع رأس الطبيب اليهودي>>>>> ظهر الخياط>>>>> شهد ببراءة اليهودي .

أمر .........  السلطان ان يمثلوا بين يديه مع الوالي>>>>> روى الوالي للسلطان ما حدث .

أمر .........  السلطان ان تكتب قصتهم بماء الذهب ثم تبين ان الأحدب فيه روح فأخذ المزين

                   مكحلة فيها دهن>>>>> طلى به رقبة الأحدب>>>>> غطاها حتى عرقت>>>>>           

                   استخرج العظم من حلقه بواسطة كلبتين>>>>> نهض الأحدب>>>>> عطس

                  عطسة قوية>>>>> ملس بيديه على وجهه>>>>> أطلق السلطان سراح الجمع .

 

      مسار الفعل ، اذن في حالتي الصعود والنزول لم يتضمن النوايا الخبيثة المبيتة . ولم يبن على أساس تراكم التناقضات لهذا ظل مساره مستقيما ، هادئا وبعيدا عن الصراعات المهمة التي ادركها زنكنه فجعلها أساسا في توجيه مسار الحكاية في المسرحية . كما ان اختلاف البواعث والنوايا بين شخوص الحكايتين أعطى مسار الفعل وجهة أخرى منفصلة عن وجهة الحكاية التراثية ولكنها مجتمعة معها ، في الوقت ذاته ، بأكثر من نقطة واحدة . ان هذا الانفصال هو الذي منح الحكاية الجديدة دراميتها وجعل منها مسرحية مستوفية لشروط الدراما .

 

ثانيا – مسارات الحكاية المعاصرة :

1-  مسار الاستهلال وتحدده مجموعة الأفعال الآتية :

تتقدم.........  ممثلة من بين الجمهور >>>>> ترتقي مقدمة الخشبة >>>>> يصطحبها اثنان يحمل كل منهما لافتة مكتوب عليها اسم المسرحية والأدوار والممثلين  >>>>>  يندفع اخرون الى الخشبة >>>>>  يقفون مع الممثلة>>>>> ينقسمون الى فريقين >>>>> يواجهون جمهور النظارة >>>>> يخبرونهم انهم هنا ليقدموا حكاية من الف ليلة وليلة ولكنهم لن يرووها كما روتها

  شهرزاد فـ"من منكم اراد الحكاية مادة للفراش وسلما للنعاس . فليرجع الى المجلد الاول من حكاية الف ليلة وليلة حيث حكاية الخياط والاحدب واليهودي والمباشر والنصراني فيما وقع بينهم " .

 

     هذا الموقف الانتقادي استثنى به الكاتب شهريارات زماننا من مسرحه الذي هو اولا وقبل كل شيء مسرح افكار . ان هذه اللوحة الاستهلالية وبقدر ما قدمته لنا من خدمة ( بروغرامية) منهاجية فانها نبهتنا الى ان ما سيقوم على الخشبة ان هو الا حكاية حدثت في الماضي . وان هؤلاء الممثلين ان هم الا ممثلون عصريوم يعيدون تمثيلها . وان مجريات الماضي والحاضر وحدها التي تبرر اهمية اعادتها . ان هذا التنبيه ، كاف لان يجعل جمهور النظارة واعيا لما سيحدث امامه وقادرا على ان يحكم على ما سيحدث . ومتمكنا من فهم الكيفيات التي استخدمها الكاتب لعصرنة افكار الحكاية كي لا تبقى سجينة واسيرة عصر (شهريار) وفراشه الوثير . ومثلما اشارت اللوحة الى الجوانب المهمة والضرورية ، قبل بدء المسرحية ، اشار المدخل ، بالدرجة نفسها من الاهمية ، عن طريق الراوي ، الى وجود عالمين يفصل بينهما الف جدار وجدار . عالمان ماان يضاء المسرح حتى نكتشف التناقض بينهما : الاول (يمين المسرح )

يزدحم السادة فيه تجارا  و امراء  و اثرياء  وهم يشربون الانخاب ويغنون ويساومون على الغلمان والجواري . ويزدحم الثاني (يسار المسرح ) بالحمالين الفقراء الجوعى وهم يساطون بسياط التاجر فتترك السياط اثارها على جلودهم المعروقة .

     ان هذين العالمين هما عالم المسرحية . عالم التناقضات والتفاوتات الطبقية . عالم الشبع الى حد التخمة و عالم الجوع الى حد الموت . 

 

2-  مسار السرد :

وتحدده مجموعة اقوال وصفية تلغي حركية الافعال الدرامية وتحل محلها سكونية سردية تخصص مساحتها للتعريف ، عن طريق الراوي ، بشخصية الطبيب صفوان بن لبيب الذي رأى ان الضرورة والحكمة تقضيان ان يعمل بصمت ازداد به قناعة عاما بعد عام . غير انه تمزق حين شاع امره بين الناس ثانية وغدا حديثا لهم ومفخرة بعدما انقذ ، بطريقته العلاجية المبتكرة ، الحمال احمد بن سنان من صداع مميت اصيب به جراء تخثر كميات من الدم لم تعد الحجامة بقادرة على امتصاصها . ولقد تناهى الى مسامع الخليفة امر هذا العلاج فطلب ان يمثل الطبيب بين يديه ليحدثه عن سره العجيب . ولما فعل ذلك امره ان يلتحق بخدمته ولكنه رفض أمره وبرر رفضه بحاجة العامة ، الملحة المستمرة ، اليه في وقت قد لا يحتاجه هو و لو مرة واحدة طوال العام . ان في تبرير الطبيب هذا تلميحا على جانب كبير من الاهمية اراد به الكاتب ان يشير الى التباين الكبير والهائل بين حياة البذخ والترف والعافية والثراء التي ينعم بها الخليفة وحاشيته وبين حياة الالام والامراض والاوجاع التي يرزح تحت نيرها الناس البسطاء . وبقدر ما تضمن هذا التبرير من التلميحات المهمة فانه اكد حقيقة ان صفوان ادرك المغزى البعيد وراء الدعوة التي وجهها له الخليفة كي يلتحق بخدمته تتحدد غايتها ، غير المعلنة ، في ابعاده عن الناس وتحديد حركته وتحجيم سمعته وابطال دعوته الناس الى الخير والمثل الانسانية النبيلة . الخليفة ، من جانبه ، يدرك جسامة التبرير فيغضبه موقف الطبيب الانتقادي الجريء ، فيأمر بطرده من (المارستان ) . الا ان صفوان يقابل الموقف بشجاعة فيتخذ لنفسه منزلا خارج المدينة يقوم فيه بتحضير الادوية والعقاقير ومعالجة المرضى والجرحى . وقد ظل يعمل طوال تلك المدة بسرية تامة الى ان شاع امره ، ثانية ، بين الناس على الرغم من غضب الخليفة عليه وامر الناس بمقاطعته وتحريم الحديث عليهم بمآثره فتحول عن العمل السري على الرغم من ذلك التهديد ، وراح يمارس نشاطاته علانية بين الفقراء الذين رأوا فيه قوة مثالهم الانساني . ان خروج صفوان للناس وتحوله الىالعمل علانية هو موضوع الحكاية التي يريد ان يقدمها لنا زنكنه في مسرحيته .

     لقد وضع زنكنه هذا المشهد ليكون ، كما اسلفت ، اداة التعريف المهمة بشخصية " السؤال" المحورية . وجعله مستقلا بذاته كما جعل بقية المشاهد الاخرى التي لا يربط بعضها مع بعض الا مسار الحكاية الذي يوجه الحكاية نحو غايتها . وهو يقترب بهذا ، دون شك من مسرح (بريخت) الملحمي . ولكنه لا يأخذه كصيغة جامدة يصب فيها مادته الفنية بل انه يمنحها صفة محلية وطنية .

 

3-  مسار الفعل :

      في المسارين السابقين ظل الخط الدرامي ، بيانيا ، ذو وجهة مستقيمة متصفة بسكونية حركتها وبغلبة طابعها السردي الاخباري وغياب العنصر الاكثر درامية الصارع الدرامي . في هذا المسار يقدم لنا زنكنه شخصية اخرى تبدأ صراعها مع شخصية الطبيب صفوان حالما يبدو ان مساري الشخصيتين مختلفتان على المستويين النظري والتطبيقي . تلك هي شخصية (أمين) التي يعول عليها كثيرا في احداث التغييران المهمة لما تتمتع به من معرفة نظرية ، اكتسبتها من الطبيب صفوان ، وامكانية عظيمة في تحويل تلك المعرفة الى ممارسات تطبيقية على صعيد الواقع . واحساس طبقي فطري تحول جراء المعرفة النظرية الى وعي طبقي ثوري . لقد ذاق امين مرارة العيش والهوان وتحمل سياط التجار اللاهبة ورأى الى ابناء جلدته وهم يسامون الويل والذل والانكسار في وقت يرفل فيه الاغنياء بالترف وحياة البذخ والملذات . فخبر الحياة و ما تزدحم به من تناقضات وتفاوتات وتمايز اساسه استغلال الانسان لاخيه الانسان .

     ان ضخامة هذه التجربة واهميتها وخطورتها تظهر جلية في افعاله ومواقفه المتباينة مع افعال ومواقف استاذه باعتباره معلما له وصاحب معرفة وعلم ونظرة انسانية اساسها التسامح والائتلاف مع الناس كل الناس حتى وان كانوا اعداء الداء كأبن همام  والرباح وسائر التجار .

     اهمية شخصية أمين لهذا المشهد والمسرحية تكمن في ان زنكنه اراد من خلالها ان يضع امام القارئ والمشاهد حقيقة التباين بين مسار تجارب صفوان المعرفية من جهة وبين مسار الممارسات التطبيقية من جهة اخرى اذ لا اهمية للتجارب المعرفية ، على الاطلاق ، ما لم تكن تلك التجارب مقترنة بالعمل . والآن لنتأمل التباين بين مساري الشخصيتين محددا بعدد من الافعال وعلى وفق الترتيب الآتي :

 

 

أمين

 

صفوان

يرفض

استغلالهم من قبل الرباح فيجلب الماء بنفسه من النهر لا يرفض استغلال الرباح ما دام يوفر لهم الماء النقي

يقتنع

بجدوى حفر بئر للماء النقي لا يقتنع بجدوى حفر بئر للماء
يعتقد أن تفكير الانسان ببطنه شئ لا يعاب عليه يعتقد

أن تفكير الانسان ببطنه شئ يعاب عليه

 

يعتقد أن الحب لن يكون لكل البشر

يعتقد

أن الحب لكل البشر

يدرك حقيقة الصراع وقانونه العام

يدرك

أن حالة خاصة لا يمكن أن نجعل منها قانونا عاما

            

      من خلال تباين الافعال وانعكاساتها نلمس تساهلية موقف صفوان ومثاليته تقف بالضد من الروح العملية لموقف امين وثوريته وهو ما يجعل الاخير مضطرا على مكاشفة الاول اذ يقول له :

          " من الصعب ان اجعلك ترى ما ارى فانت – اغفر لي يا سيدي – لم تذق طعم السياط ولا

             مرارة الهوان .. " .

 

     مجسدا بهذه المكاشفة جوهر التباين الحقيقي فهو ، أي امين ، رجل لا يؤمن بالاقوال ما دامت غير قادرة على ان تتحول  الىافعال . وسوف لن تتحول بغير العمل والوقوف بوجه الظلم والثورة عليه . وعلى هذا الاساس يؤسس امين قرار عودته الى السوق ، الى مكانه الحقيقي ، حيث الكدح والجوع والتعب فيترك منزل صفوان ( زوج شقيقته ) ليظل الاخير وحيدا مع زوجته التي لم يشعر بها ابدا ، الا كغريبة عن عالمه وكتبه واهتماماته . انه وحيد وغريب في عالم سنكتشف زيف قيمه في مشاهد لاحقة يظل السؤال عبرها حاضرا في اذهاننا وضمائرنا عن الكيفية التي سيتصرف على وفقها الطبيب وهو يحاول الجمع بين الذئب وبين الحمل في عالم لا جمع فيه بين الذئب وبين الحمل .

 

4-  مسار الصراع :

وهو وان كان كالمسارين السابقين من حيث الاستقلالية المشهدية والاتجاه الا ان رأس السهم فيه يشير ، في النهاية ، الى المسار الذي يليه كمحصلة حاصل لاجرامية مقصودة وبواعث قوامها القتل المتعمد . صحيح ان الصراع الدرامي والفكري قد ابتدأ منذ المسار السابق الا انه لم يأخذ شكله الدموي الى الآن . منذ الآن سيتخذ له خطا بيانيا نحو الذروة .

     في هذا المسار يقدم لنا زنكنه ثلاث شخصيات يجمعها مثلث علاقة خيانة متقابلة (2)

تشكل ( ثماله ) زاويته العليا بينما يشكل ضلعيه المتساويين كل من (مظلوم) زوجها و (هشام) عشيقها وهما يرتبطان ، معا عبر قاعدة المثلث ، بعلاقة صداقة قديمة تتوضح طبيعتها ، فيما بعد ، عندما تواجه ثماله عشيقها بحقيقة تلك العلاقة .

 

     ان السلوكية العامة لثلاثتهم تبدو لنا مجانبة لمثل العفة والنزاهة والشرف ولا غرابة في هذا ما دامت اخلاقية عصرهم قائمة على اساس الارباح والمنافع فمظلوم كان قد اشترى ثماله من ابويها . وهي تعرف انه اشتراها من ابويها مثل أي سلعة اخرى يمكن ان يقتنيها كتاجر . وانها لا تملك ادنى احساس بالارتباط الزوجي الحقيقي معه . بل انها توهم نفسها ، عندما تكون بين احضانه ، ان ذراعي هشام هما اللتان تطوقانها . وهشام هذا رجل متزوج ، هو الاخر ، وله ابناء شرعيون ولكنه بدافع الاستحواذ على ممتلكات غيره والتمتع بتلك الممتلكات فانه يروم الوصول الىامتلاك ثمالة والتمتع بها ما استطاع الى ذلك سبيلا . وعندما تختار ثمالة طريق التخلص من زوجها بقتله يتردد هشام في قبول الفكرة ويتحجج بصداقته لزوجها . غير انها تواجهه . كما اسلفت ، بحقيقة تلك العلاقة اذ تقول له :

            " انها صداقة تاجر لتاجر ... ارباح ومنافع "

     ثم تضيف كاشفة النقاب عن معدنه الحقيقي فتقول مقنعة اياه انه (أي زوجها ) .

" يزول عن طريقك منافس وتنتفخ ثروتك وتكبر اذ تبتلع ثروته " 

     ان تردده في قبول فكرة التخلص من مظلوم بقتله لم يكن بسبب ادراكه ولا احساسه الانساني بما في القتل من بشاعة ولكن بسبب كونه كتاجر يطمح في اتمام الصفقة من دون ان يكون مضطرا على القتل . كي تميل صفقة امتلاك ثمالة الى الربح اكثر من ميلها للخسارة .

     ان فعل القتل في هذا المشهد يشكل ابرز نقاط الاتصال بين حكاية الليالي وبين المسرحية . ولكنه يشكل في الوقت ذاته ، ايضا ، ابرز نقاط الانفصال عنها : فالقتل في حكاية الليالي لم يكن متعمدا ولم يسبقه اصرار او ترصد مثلما كان في المسرحية مقصودا ومتعمدا وهو مختلف من حيث غايته فقد حدث في الحكاية مصادفة ونتيجة لعبث زوجة الخياط ومحاولتها الضحك على الاحدب . بينما حدث في المسرحية نتيجة لمعاناة ثمالة المستمرة ومحاولتها التخلص ، بواسطته ، من تلك المعاناة . وسنجد ان ما يترتب على الفعلين ، في الحكاية والمسرحية لن يقترب من بعضه الا من حيث جوه التراثي فزنكنه لا يتكئ على التراث ولا يتخذ منه قالبا او عكازة . بل انه ، فقط ، يستلهم جوانبه المشرقة لينطلق منها الى اجواء اخرى هي اجواءه الخاصة التي يتوصل عبرها الى الحاضر الذي يتعامل معه بشكل يومي وتفصيلي فيزاوج ويقارن ويصاهر بينهما في عملية معقدة ومركبة تعيد صياغة الواقع على وفق وجهة نظر خاصة وجديدة هي وجهة نظره ككاتب مفكر وكانسان . لقد استطاع زنكنه ، اذن ، بامكانيته ككاتب مبدع وباستخدامه الواعي للتراث ان يسحب الحكاية من الماضي الى الحاضر . وان يسحب معها السؤال الذي تضمن تحذيره وتنبيهه من مغبة الدخول في ائتلاف فاشل يجمع بين الماء وبين النار .

5-  مسار العقدة :

     وهو مسار يشير رأس السهم فيه باتجاه تصادم مواقف الشخصيات الرئيسة وتنافرها واحتدام صراعها تبعا لمواقعها وآرائها وفهمها لطبيعة عصرها وقيمه واخلاقياته . يقول اريك بنتلي (3) :

               " العقدة هي الكيفية التي توجد بها الاصطدامات الضرورية " .

     فالطبيب صفوان ، هنا ، لا يلقي تبعة الجرم على أي كان لينجو بنفسه وعائلته بل يحتكم لضميره وايمانه فيقودانه الى صاحب الشرطة ظنا منه ان العدالة سوف تأخذ طريقها الى القاتل  الحقيقي . وهذا موقف يتصادم مساره مع موقف زوجه ريحانة وشقيقها امين . ففي الوقت الذي يصر ، فيه ، على اخبار الشرطة عن وجود قتيل في منزله ترفض ريحانة ، ذلك لعلمها وفهمها لملابسات الواقع وزيفه وانهيار قيمه الانسانية . وترى ان عليهم التخلص من الجثة باي شكل انقاذا لاسرتها ولزوجها من الضياع الاكيد ، واحقاقا لبعض الحق بابعاد السيف عن رقبة صفوان . ان هذا الموقف جعل الشبه واردا بينها وبين ثمالة من جهة وبينهما وبين امرأة الخياط وامرأة الطبيب اليهودي ، في حكاية الليالي ، من جهة اخرى لان كل واحدة منهن تلتقي مع الاخرى في طريقة التفكير والتدبير والتخلص من الجثة مع اختلاف نويا كل واحدة منهن ودون التبصر في ما ستلحقه عملية التخلص من الجثة من اضرار بأناس ابرياء وهو جوهر اختلاف صفوان وريحانة اذا استثنينا الاختلافات والخلافات الاخرى . اما امين فهو الآخر يحاول من جانبه التاثير على صفوان ومنعه من اخبار الشرطة لانه يعرف ، كما تعرف شقيقته ، بنتائج العملية قبل حدوثها . ان موقفه يتسم بسمات مادية منزوع عنها كل تصور مثالي . فبينما يعتبر صفوان وجود  الجثة في منزلهم مقترنا بالمشيئة الالهية . يعد امين وجودها محض مصادفة :

          " أمين : اريد ان اقول ان الصدفة وحدها التي اوقعتنا فيما نحن فيه .

          صفوان : (مصرا ) بل مشيئة الهية عليا .. والا لماذا نحن بالذات .

          امين : لان منطق الصدفة اعمى ولأننا وحدنا الذين لا نرفض احدا في أي وقت جاء".

     وعلى الرغم من منطقية ومعقولية موقف امين يصر صفوان على اخبار الشرطة من منطلق ان " الانسان بناء الله على الارض ملعون من هدمه ، ملعون من تستر على هدمه " فيخرج قاصدا بيت صاحب الشرطة فيرى ، في طريقه ، العسس نياما في الشوارع والحارات والخفراء نياما في مقرات اسيادهم . ومع ان حارس صاحب الشرطة ينصحه مشفقا التخلص من الجثة الا انه يصر على تقديم الاخبار عنها تمسكا بمنطق العدل واحقاق الحق حتى بدا في نظر الحارس مجنونا واخرقا . واذ يخرج الطوسي من غرفته قاصدا (الكنيف ) يتشبث به

صفوان ممسكا اياه من اذيال ثوبه بقوة كي يشرح له قضية الجثة بينما يحاول الطوسي ، نافرا التخلص منه لان الم التخمة يعتصره حتى تكاد احشاءه تنفجر . من خلال هذا الموقف التراجيكوميدي يضعنا زنكنه في حيرة وارتباك وقلق امام السؤال المهم والخطير الذي ينطوي على مرارة ورثاء واختبار قاس للحكم والحكمة والسلوك والتدبير . ان موقف صفوان واصراره يجعلان رأس السهم في هذا المسار يتحول باتجاه الكارثة التي ستحل ان عاجلا او آجلا . وباتجاه جعل خيوط حكاية المسرحية اكثر تشابكا وتعقيدا وتصعيدا لصراعات صفوان ومعاناته  الطويلة . فبعد ان تداهم الشرطة منزله وتلقي القبض على اهله وتسوقهم الى مقر (صاحب البريد) ليقضوا الهزيع الاخير من الليل يستوطن الصمت روح صفوان . فهو ما يزال ينظر للامور على انها تجري على وفق مشيئة الهية فيتحمل الحيف والظلم بروح هي روح المتصوف التي لا تستشعر بالم العالم المادي المحسوس لانها تعيش عالم الروح والمثال . وقبل ان يقدم لمجلس القضاء يجري الطوسي تحقيقا ، معه ، ليضاعف الجرم جرمين . وهنا جعل زنكنه الموقف المأساوي ، موقفا ، مسكونا بالكوميديا ، ايضا في محاولة اراد منه الجمع بين الضحكة والدمعة في آن . فعالم الطوسي ومساعديه عالم يثير ، في النفس ، الرثاء والعزاء الى حد الضحك المر . الطوسي يمتلك السلطة وينظر ، من خلالها ، الى صفوان كمنافس ومحرض ومتمرد ضدها فيبيت له امرا . ويطلق عليه حكما ، بالموت مؤيدا من السلطتين الدينية والمدنية . ومع ذلك وبرغمه لم يأبه صفوان واستمر على تجاهله النوايا الخبيثة  فتحولت كل كلمة قالها في التحقيق الى فعل ادانة حتى بلغ مجمموع التهم التي ادين بها اربعا :

1-  ارتداده عن الدين الحنيف .

2-   دعاؤه النبوة والرسالة .

3-  العمل على تبديل سنة الله .

4-  قتله نفسا بريئة .

وبهذا يكون قد اوصل نفسه ومحبيه الى حالة لا احد يوافقه ، تماما ، عليها . ولا احد يخطئه تماما مادام قد تجاوز بفكره حدود زمانه منطلقا الى زمن آخر يسود فيه الحق والجمال ولكنه لم يضع يديه على الوسيلة التي ينتقل بها اليه . لهذا ظل موضع انتقاد شديد حتى من اقرب الناس اليه زوجه ريحانة اذ تقول محاورة شقيقها :

 "ريحانة : ذلك شأني يا مين . اذا كان صفوان قد ارتضى لنفسه ان يكون على تلك

           الدرجة من العناد .

  امين   :   (مقاطعا) لا تظلمي رجلا كان الطيبة مجسدة .

        ريحانة : الطيبة وسط الذئاب هي عين الغباء .

  امين   : الخطأ .. وهو ليس في صفوان ، وانما في انه يعيش هذا الزمان زمن

                    الذئاب .

 ريحانة  : المهم هو ابن هذا الزمان وكان عليه ان يدرك كيف يعيش فيه .

 امين    : ولكنه زمن ذئاب وقد رفض ان يكون ذئبا .

 ريحانة  : وارتضى ان يكون حملا تفترسه الذئاب .

 امين    : بل عبر هذا الزمان الى زمن آخر (حالما) يسود فيه الحق والجمال ، ابناؤه

       كلهم مثله يأكلون ويشربون من جهد ايديهم التي تحمل المعول وتحفر

       الارض لتصنع الخبز بدل السياط التي تحفر الظهور لتصنع الذل . قلوبهم

       عامرة بحب الانسان لايكرهون احدا ولا يبغضون احدا لانه لن يكون ثمة

       من يسرق النار كي يبغضوه ولا من يظلمهم كي يكرهوه ، الكل اخوة ، يد 

       واحدة تصنع الحرية والسعادة للبشر كل البشر " .

     غير ان ريحانة تعد ذلك العالم وهما وحلما قد لا يتحقق ابدا . وفي النصف الثاني من هذا المشهد يكون امين قد حقق اولى غاياته المهمة اذ تدفق الماء العذب من البئر التي حفرها بينما تكون مساومة الرباح على الاثاث والكتب قد انتهت ، ايضا ، الا ان الموافقة على السعر ما كادت تتم حتى دخل والقى بالرباح خارجا فهو يعارض فكرة انحدار شقيقته الى درك المساومة مهما كان نبل الغاية التي تسعى اليها .

     دخل صفوان السجن ووراء القضبان الصم انقلبت الموازين وتشوهت الرؤى واظلم العالم وتحول الجسد الى قبة تحتبس وراء قضبانها روح صفوان الذي لم يعد يعرف اما اذا كان عاقلا هو ام مجنونا . لقد ضاع المنطق واختل النظام ورأى ، متشائما ، ان يذيقه السجان مرارة الالم وربما حلاوته ايضا بركله بقسوة وعنف ليصل من خلال الالم الى معرفة نفسه ، الى حقيقته الضائعة .

     لماذا يحدث كل هذا ؟

     سؤال نطرحه نحن وتجيبنا المسرحية كي يظل قاضي القضاة قاضيا للقضاة وصاحب الشرطة صاحبا لها . ولتظل السلطتان الدينية والدنيوية حكرا عليهما وعلى خلفهما . في السجن يطلب صفوان من السجان ان يسلمه الكتاب الذي منعه عنه وضربه بسببه كبير السجانين فيفعل . وهو اذ يخالف امر سيده فانه يذكرنا بالكثير من الشخصيات التي تعاطفت ، بحكم انتمائها للقطاعات الفقيرة من ابناء الشعب ، مع رجالات الحركة الوطنية – الثورية.

في الكتاب يجد صفوان عزاءه وقرينه ابا وابنا . لا فرق لديه ان يكون ابا يضحي بابنه او ابنا يقدم نفسه لابيه كي يضحى به ، وهذا هو البلاء العظيم الذي لم ينقذ الابن منه الا المعجزة .

     ان حالة صفوان النفسية والجسدية المتأزمة ، جراء ما تعرض له من تعذيب وتجريح و اهانة على ايدي رجال صاحب الشرطة ، اسقطته في وهم مداخلة غير مجدية بين ما آل اليه حاله وحال (اسماعيل " عليه السلام" ) فكلاهما فرضت عيه التضحية وقبل الموت كتسديد لذلك الفرض ..

            " الا ان الله لا يتخلى عن عباده المحسنين"

     لذا انقذ (اسماعيل " عليه السلام " ) من الذبح وفداه بذبح عظيم وسوف تحدث المعجزة ثانية وينقذ صفوان . وفعلا يفاجأ صفوان بالبشرى فيؤكد ان رؤياه قد صدقت هي الاخرى ولكنه سرعان ما يخيب اذ يشم رائحة كلمات صاحب الشرطة مبثوثة في كلمات ريحانه فيعلن عن موقفه من طريقتها التي  اتفقت على تفاصيها مع صاحب الشرطة وقاضي القضاة فيرفض فكرة ادعاء القتل حتى وان كان بدعوى الدفاع عن النفس ويرفض ايضا طريقة امين وجماعته اذ رآهم في الرؤيا وهم يهدمون جدران السجن ليخلصوه منه وهي رؤيا ناقصة لانها صادرة عن صفوان الذي صار لا يرى في امين الا رجلا يبيت امرا مهما مع جماعته قد يكون على الصورة التي حضرته كرؤيا . ولهذا لا يمكن احتساب فعلها

 ، كما احتسبه البعض ، على شخصية امين وطريقته في مجابهة الواقع (4) . وتتراكم رؤاه فيرى رؤيا جديدة تتحقق فيها المعجزة اذ يتحول السيف بيد قاضي القضاة الى خشب . وتتوقف يده فلا تصل بالسيف الى رقبته ، فيصرخ الجلاد انها المعجزة ويصرخ صفوان ، من بعده ، تبارك الخلاق حتى يدخل السجان ويعيده ، مشفقا ، الى موضعه على الفراش دون ان يشعر . و تصطدم اوهامه مرة اخرى بجدار الواقع فما رآه في الرؤيا من وجوه خيرة تحكم ببراءته خاب اذ رآها في مجلس القضاء وجوها مختلفة وافواها مختلفة فيحاكم . او بالاحرى يقاد الى المحكمة ليستمع ، فقط ، الى قرار الحكم الصادر مذ وطأت قدماه ارض السجن . لقد سلم نفسه الى قاضي القضاة وصاحب البريد وصاحب الشرطة ليذبحوه ففعلوا ذلك بدم بارد وبذا يكون مسار المسرحية العام قد انطلق من القتل ليصل الىالقتل .

     في البدء ارادت ثمالة التخلص من زوجها بازاحته عن طريقها فتآمرت مع هشام على قتله لتغير مسار حياتها . وفي الختام اراد قاضي القضاة ، نزولا عند رغبة الخليفة ، التخلص من صفوان بازاحته عن طريقهم فتآمروا على قتله .

     ان فعلي القتل لم يحدثا استجابة لبواعث آنية بل جاءا بعد تفكير وتدبير ومكر ودهاء واصرار وترصد  ادى اولهما الى ثانيهما فجعل مسار الحكاية في المسرحية يتجه باطراد نحو وقوع الكارثة . لقد جعلنا زنكنه نتابع صفوان ، ونحن نستشعر الخطر المحدق به خطوة خطوة ، وفرض علينا اللحاق به واتباع مساره مشفقين وناقمين وعارفين بمصيره المحتوم . لقد استطاع جرنا الى الاندماج بشخصية صفوان واوهمنا ان مجريات الاحداث تقع ، بكل عاقبتها ، علينا حتى نجح في انتزاع الصرخة المدوية الرافضة من اعماقنا : اوقفوا كل هذا

لنصل في خاتمة المسرحية الى الجواب المهم والاكيد عن السؤال الملح والمطلوب .

----------------------------------------------

(1)    تناولها النقاد العراقيون في اثنتين وعشرين مقالة ودراسة . وتناولها النقاد الصحفيون العرب في عشرين مقالة ودراسة وقدمت من على مسارح بغداد وواسط واربيل والإسكندرية والزقازيق والكويت وتونس والجزائر.

       (2) المقصود هنا هو خيانة الرجل للمرأة وخيانة المرأة للرجل والتقاء الخائنين في خيانة مركبة .

       (3) (الحياة في الدراما ) اريك بنتلي –ترجمة جبرا ابراهيم جبرا – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت

      (4) راجع مقالة الاستاذ عبدالله نيازي في مجلة الاقلام العدد 6 لسنة 1977م