
*
يرفع الستار..حزمة ضوء على وسط المسرح تظهر المرأة/ألام وهي تلبس ابنها، الذي صار في السادسة من عمره، الملابس التي يرتديها، عادة رواد الموسيقى..تضع الباروكة على رأسه..تتناول سلة التبضع وتخرج مودعة الصبي بإشارة وابتسامة..يتبعها الصبي..يقف عند حافة الدائرة قريبا من الكواليس..يتطلع في إثرها وإذ يطمئن لابتعادها يعود بخفة ونزق ليجلس أمام البيان..يعزف ألحانا خاصة به..يتوقف عن العزف فجأة إذ يسمع وقع خطوات تقترب..يرجع الكمان الى محله..ينظر باتجاه الصوت ثم يهرع الى فراشه يمتد عليه مغطيا نفسه ومتصنعا النوم العميق..يدخل الأب \، وهو الثمل نفسه في المشهد السابق \، ينظر الى آلة البيان ثم الى الكمان ثم السرير..يلتقط عصا المايسترو من على البيان..يقترب من السرير..يزيل الغطاء من على الصبي بطرف العصا..يشير بطرف العصا..يشير عليه بالنهوض..ينهض. يشير له بالذهاب الى البيان..يذهب مترددا خائفا يبدأ العزف بإشارة من عصا أبيه وبإشارة منها يتوقف الأب عن العزف ثم يبدأ ثانية وثانية يوقفه..يعزف مرة ثالثة..تبدو على الأب إمارات الراحة فيخرج مغادرا..يختفي وراء الكواليس..يطل برأسه ليتأكد من سلامة سلوك الصبي..ينسحب..يذهب الصبي في إثره..يطمئن لابتعاده فيعود الى آلة الكمان يعزف عليها لحنه السابق نفسه..تداهمه الأم، هذه المرة، فيضع الكمان في موضعه بارتباك..وبارتباك يتناول كتبه المدرسية..تنحني الأم عليه طابعة قبلة على جبينه..يغادر مهرولا الى خارج المسرح..تسير الأم في اثره..تتوقف..ترفع يدها مودعة..تختفي وراء الكواليس..تطفأ الأضواء تدريجيا وحزمتان من الإضاءة فقط تظلان على توهجهما فترة على آلة البيان وسرير الطفل ثم تختفيان تدريجيا أيضا.
*
تفتح الأضواء تدريجيا..الأم في وسط المسرح جالسة أمام آلة البيان تحيك قفازا لولدها..تسمع صوت خطوات مضطربة..يدخل الأب ثملا كعادته وباطن جيوبه مسحوبة خارج بنطاله..يقف الى جانبها..يمسكها من ذراعها وينهضها بعنف وقوة يدفعها بعيدا عنه..يجلس في محلها..يضرب آلة البيان بعصبية..تتقدم منه.. تقبض على يديه..تمنعه من تكرار الضرب العنيف لكي لا يوقظ الصبي..ينتبه..يلتفت الى سرير ابنه..يتناول عصا المايسترو ويذهب الى السرير..تقف الأم في طريقه محاولة منعه من الوصول الى ابنهما..يدفعها فتتنحى جانبا..يقف لصق السرير وبالعصا يزيح الغطاء من على ابنه ويأمره بالنهوض..يتردد الصبي فيجره عنوة الى آلة البيان..يبدأ بالعزف..يوقفه بإشارة من عصاه بعصبية وانفعال يضربه على أصابعه ويأمره بالعزف ثانية..يعزف لحنا نشازا أيضا بينما الدموع تترقرق ن عينيه..يضربه ثانية وثالثة وإذ يعزف عزفا سليما ينبهر الأب ويؤدي بعض الحركات النزقة من خلف ظهر الصبي..يتوقف لحظة.. ينظر الى ولده بإعجاب..يمسك باطن جيوبه ويرجعها الى الداخل بزهو..يضرب على كتفي الصبي فيتوقف الصبي عن العزف..ينهض..يذهب الى سريره بأمر من أبيه يتمدد عليه..يغطي نفسه والدموع ما تزال ترقرق من عينيه..يخرج الأب وتطفأ الأضواء تدريجيا إلا حزمة الضوء التي تضئ سرير الصبي..سوناتا(في ضوء القمر) بأجوائها الهادئة تستمر فترة قبل أن تدق نواقيس الكنيسة دقات استغاثة ممزوجة بالصرخات البشرية المفزوعة وأصوات تهدم الجدران أو سقوط السقوف وفرقعات النيران..ينهض الصبي وتدخل المرأة مهرولة مفزوعة تأخذ الصبي الى النافذة وترى الى خارجها. وهج نيران الحرائق تسطع على الخشبة وعلى وجهي الصبي وأمه..تزداد الأصوات والفرقعات..يتحركان باضطراب وخوف ورعب..يزداد وهج النيران..على منطقة خيال الظل يتسارع الناس نحو الحريق وهم يحملون أوعية الماء..يحاربون النار..ينسحبون أمامها .. تستمر أجراس برج الكنيسة برهة قبل أن تتمكن منها السنة النيران وتسكتها نهائيا..وإذ يسقط البرج تخمد الحركة تماما..الصبي ينظر صوب مكان البرج والأجراس بمرارة وألم وحزن..يبدو وهو ينظر الى هناك مع أمه مثل تمثال عملاق نصب على خرائب وأطلال..يتحرك الصبي حركة تصاحبها(سوناتا في ضوء القمر) يدور حول محيط الدائرة مفكراً.. يتوقف عند آلة البيان..يواصل الدوران..يتوقف قرب سريره..يلتقط آلة الكمان ويعزف عليها لحنا هو اقرب الى التنويمة منه الى أي شئ آخر..يترك الآلة غير راضٍ عن اللحن ويتوجه الى آلة البيان مرة أخرى..يضرب عليها ضربات تشبه ضربات الأجراس المستغيثة ثم يسترسل مع اللحن فترة قبل أن يتوقف ويستدير نحو خيال الظل الذي ظهرت عليه الفرقة الاوركستراليه..يقف..يتناول عصا المايسترو..يعطي الإشارة للفرقة فتبدأ بالعزف فترة قبل أن يحس بضيق جراء الباروكة على فروة رأسه فيرفعها بعفوية وبراءة ويحك رأسه بأطراف أصابعه التي حشرها تحت الباروكة..تتوقف الفرقة عن العزف..وتتعالى أصوات الضحكات..يعود للعزف دون أن يفكر بالاعتذار يلتفت عدة مرات الى الفرقة التي لم تعد تشاركه العزف فيضرب على البيان بقوة محدثا صوتا حادا ويقف غاضبا منفعلا..تختفي الفرقة من على خيال الظل..يذهب، متضايقا الى سريره..يدخل الأب ويقاطعه في منتصف الطريق بين البيان والسرير..يحشر يده في جيوبه ويسحب بطانتها الى خارج بنطاله بعصبية وهو يتقدم من الصبي بانفعال وغضب..يتراجع الصبي أمامه..يعود الى آلة البيان..يجلس..يلتقط الأب عصا المايسترو..يرفعها الى الأعلى ومع ارتفاعها تتوقف الحركة على المسرح بينما تنطلق كونشرتو البيان الأول لبتهوفن فترة وجيزة قبل أن تطفأ الإضاءة تدريجياً على خشبة المسرح.
*
قبل أن تتوهج الإضاءة تدريجياً،على المسرح نسمع صوت قاطرة بدأت تتحرك منطلقة مندفعة نحو هدفها..تضاء الخشبة فنرى الصبي نفسه جالساً في المكان نفسه وقد تقدم به العمر حتى بلغ الخامسة والعشرين وقد أزيلت الدائرة المرسومة على الخشبة واختفت بعض قطع الديكور وحلت محلها قطع أخرى من الأثاث الفخم الرئاسي..يدخل عدد من الضيوف بهندام بالغة الأناقة يوحي مرآهم بانتمائهم الارستوقراطي..يترك الشاب محله ويقف الى جوار مجموعة من المدعويين وإذ يكتمل عدد الضيوف يزعق صوت البوق معلناً عن وصول الأمير..ينقسم الضيوف الى كتلتين إحداهما على يسار المسرح والأخرى على يمينه وعند ظهور الأمير من اعلى وسط المسرح تنحني المجموعتان ويمر الأمير بينهما بمرونة ورشاقة..يشير لهم برفع رؤوسهم وشرب أنخابهم..يجلس فيجلسون..يتبادلون النظر بعضهم الى بعض..ثم ينظرون جميعاً الى الشاب الذي تنحى بعيداً ليجلس على أريكة معزولة منفردة غير مبال بنظراتهم..يخطو بضع خطوات صوب الشاب..يمد له يده..ينهضه ويأخذه باحترام جم الى آلة البيان وسط تعجب الضيوف من تواضع أميرهم أمام شخصية الشاب..يعود الأمير الى محله..يجلس فيجلس الجميع..يرفع الشاب يده الى الأعلى فتتوقف حركة الضيوف..يبدأ الشاب مع الفرقة الاوركسترالية عزف كونشرتو(الإمبراطور) فترة قبل أن نسمع أصوات القذائف التي أخذت تتداخل مع مثيلتها في الموسيقى وهي تقترب بدويها الهائل من المكان شيئاً فشيئاً..يصاب الضيوف بالفزع و يتحركون باضطراب هنا وهناك..يظلم المسرح عدة مرات خلال دوي القذائف وانفلاقها ..يخرج بعضهم مهرولاً..يقتحم المكان عدد من الجنود بالزي الحربي الفرنسي..ينتشرون على الخشبة وهم يرفسون بعض قطع الديكور..يفتشون هنا وهناك..يجدون بعض الأشخاص المختبئين.. يخرجونهم من مخابئهم بالركلات..يوقفونهم صفاً واحداً في مواجهة جمهور النظارة ويفتحون عليهم النيران..يجلس الجنود الى الموائد التي كانت معدة لضيوف الأمير.. يهم بعضهم بالعزف على البيان باستهتار..بعضهم يرقص بنزق بينما يقوم بعضهم الآخر بحركات ماجنة وهم يرفعون بعض الإكسسوارات النسوية التي تركت على الموائد وإذ يبدو عليهم التعب والإرهاق واضحاً..يلقون بأنفسهم للنوم على أي شيء..تخفت الأضواء قليلا ويسود المسرح الهدوء ثم وكالصاعقة ينقض عليهم عدد من الرجال، بالزي الحربي النمساوي، يباغتونهم ويفتحون النيران عليهم فيردونهم قتلى ومع مارش الحداد الجنائزي من الحركة الثانية للسيمفونية الثالثة، يجرون جثثهم الى خارج المسرح وكذلك معداتهم العسكرية..تطفأ الأضواء.
*
نسمع، من خلال الظلام، صوت تصفيق حاد لجمهور متحمس..حزمة ضوء دائرية رأسية تتوهج على الشاب وهو يقف على دكة دائرية في وسط الوسط مرتدياً ملابسه نفسها (ملابس المايسترو) ورافعا يده الى الأعلى ليعطي الإشارة للفرقة السيمفونية ببدء العزف..تبدأ الفرقة عزف سيمفونية بتهوفن الثالثة (البطل)..يستمر العزف على الخشبة.. يظهر خلف الفرقة خيال شبح يهيمن على خلفية المسرح بحركاته الشيطانية..ينسحب ليظهر مرة ثانية، يتوقف الشاب عن قيادة الفرقة إذ يختلط مع الموسيقى صوت صفير حاد أو أزيز قوي ثم يستأنف عمله بدقة..يدخل الشبح من يمين المسرح دون أن يلفت انتباه أحد..وإذ يمر بالشاب (المايسترو) يتوقف الشاب عن القيادة..يضغط براحتيه على أذنيه معتصراً نفسه من الألم بينما يأخذ الصفير أو الأزيز بالارتفاع أكثر فأكثر. وإذ يغادر الشبح من يسار المسرح ينقطع الأزيز أو الصفير ويرفع الشاب راحتيه من على أذنيه و يبدأ القيادة مرة أخرى.. تطفأ الأضواء على الفرقة..وحده الشاب يظل ضمن حزمة الضوء الدائرية..يدخل الشبح من يسار المسرح فيبدأ الصفير أو الازيز بالارتفاع ثانية وثالثة ورابعة..يضع الشاب راحتيه على أذنيه ويضغط عليهما وهو يتلوى من الألم..يدور الشبح حول الشاب..يؤدي حركات شيطانية ثم يخرج من يمين المسرح..ينهار الشاب يلملم بعضه ويرقفص على نفسه متهالكا غير مصدق ما حدث له..ينهض..يلتفت الى آلة البيان..يقترب منها..يضربها بإحدى يديه بينما يضع الأخرى على أذنه..يتسمع صوت البيان..لا يعطي رد فعل السماع..يضرب بقوة أكثر ولا يسمع..يضرب أقوى ولا يسمع..يقف مستقرا خائفا غاضبا يتحرك هنا وهناك بعصبية وهستيريا..يجلس..يقف..يقترب من البيان..ينظر اليه..يضع رأسه على حافته ويبكي..يسمع صوت نقرات لطائر نقار الخشب..ينتبه..يضع يده على أذنه..تستمر النقرات..يبتسم ابتسامة غير أكيدة..يقترب من الكواليس..تستمر النقرات..يقلدها بحركة من أصابعه وكأنه يعزفها على البيان..يتوقف النقر..يقترب من البيان..يعزف مقلدا النقرات وهي نفس النغمات الأربع التي تبدأ بها الحركة الأولى من سيمفونية بتهوفن (القدر)..يتوقف عن العزف..يتناول مجموعة أوراق ويكتب عليها نوتات سيمفونيته الجديدة..يظهر الشبح على منطقة خيال الظل..يتوقف عن الكتابة..يتحرك الشبح حركات شيطانية بينما يتلوى الشاب قليلا ثم يقاوم..يقاوم بشدة..يتمكن من السيطرة على نفسه..يعود الى أوراقه..يستأنف الكتابة..يتوقف..يتسمع صوت اللحن الذي دونه معزوفا من قبل فرقة سيمفونية..يشتد العزف في ذهنه أكثر فأكثر في ضربات متتالية وشديدة..يتلوى الشبح كما كان الشاب يتلوى من قبل..يعتصر نفسه وينهار..يقفز الشاب بفرح غامر ويتوجه الى البيان..يتناول عصا المايسترو وينتقل الى الدكة الدائرية التي في وسط المسرح..يرفع يده كإشارة لبدء العزف..تعزف الفرقة في منطقة خيال الظل قدرية بتهوفن الخامسة..وعندما يهدأ العزف ينهض الشبح يهرب نحو الكواليس ليعود ثانيا مع شبحين آخرين يشبهانه تماما..يدورون حول الشاب..يؤدون رقصة (القدر والمداهمة) فيتوقف الشاب عن القيادة..يضغط أذنيه براحتيه ويتلوى..يقاوم..يقاوم أكثر من المرات السابقة..يسيطر على آلامه..يقطع الأشباح الثلاثة رقصتهم.. ينظرون الى الشاب بتعجب واستغراب وهو مستمر بقيادة الفرقة بضربات شديدة وعنيفة..يبدأون بالتلوي والتمايل..يتساقطون الواحد إثر الآخر..يزحفون هاربين الى خارج المسرح..يستمر العزف بضع لحظات يشعر خلالها الشاب بالنصر والزهو..يعطي الإشارة بالتوقف..تتوقف الموسيقى..يستدير نحو جمهور النظارة..ينحني لهم باعتداد..تنطلق أصوات التصفيق الحاد بينما تسدل الستارة عليه مرتين.
بعقوبة 2000
***
نشرت في مجلة أسفار الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء و الكتاب في العراق العدد (23) لعام 2001